
الإنسانُ أكثرُ المخلوقاتِ ضعفاً في عالمِ الطبيعة. وضعفُ الإنسان يتجلى في أفعالِه وردودِ أفعالِه العاطفية بأكثرَ من تجلِّيه في أفعالِه وردودِ أفعالِه التي يتحتَّمُ عليه القيامُ بها ما تعلَّقَ الأمرُ بجسمِه الضعيفِ خِلقة. ولأنَّ الإنسانَ مجبولٌ على التكبُّر، فإنه لا يُقِرُّ بضعفِه هذا نفسياً كان أم جسمياً. ولقد جرَّ هذا الضعفُ النفسي الذي يتميَّزُ به الإنسان على الإنسانية، وعلى الطبيعة، من البلايا والمصائب ما يتعذَّرُ إحصاؤه. وقد فاقمَ الأمرَ سوءاً أنَّ الإنسانَ لم يعد يحمِّلُ ضعفَه النفسي المسؤوليةَ عما جنته يداه على نفسِه وعلى الطبيعة، وذلك من بعدِ أن تفتَّقَ ذهنُه عن كينونةٍ أخرى هي الأقدر، من وجهةِ نظرِه المختلة، على أن تُحمَّلَ وزرَ جناياتِه هذه بحقِّ نفسِه وبحقِّ الطبيعة. فكلُّ شذوذٍ عن الطبيعة، وانحرافٍ عن مسارِها القويم، وخروجٍ على قوانينِها الصارمة، هو ليس مما جنته نفسُ الإنسان التي توهِمُه بأنه المظلومُ دائماً وأبداً، وأن الآخرَ كائناً من كان هو الظالم. فأصبح المجتمعُ هو الكينونةَ التي يعزو الإنسانُ إليها المسؤوليةَ من وراءِ خبالاتِه وحماقاتِه وشذوذاتِه ومجملِ انحرافاتِه.
وخيرُ مثالٍ معاصرٍ على ذلك، هذا الهوسُ من جانبِ إنسانِ هذا العصر بالجندر، وما أدى إليه من إشاعةٍ لمفهومٍ جديد للهويةِ الجنسية يتعارضُ بالتمامِ والكلية مع ما قامت عليه الطبيعةُ ورسَّخته في كيانِها عبرَ ملايين السنين من التقيُّدِ الصارمِ بقوانين لا يملكُ الكائنُ الطبيعي حريةَ الخروجِ عليها. فالإنسان، وفقاً لمنظورِ العصر، هو كائنٌ متعددُ الهويةِ الجنسية فلا ينبغي أن تُحدَّدَ حريتُه بما افترضَه المجتمعُ الإنساني طيلةَ آلافِ السنين. وهذه وجهةُ نظرٍ لا تعبأُ بالطبيعةِ وبقوانينِها الصارمة، إذ أنَّها تعتبرُ حريةَ الإنسانِ المعيارَ الأسمى عند صياغةِ أيِّ نظامٍ أخلاقي- قيمي. ولقد فاتَ إنسانَ العصر أنَّ عواطفَه لا تعني شيئاً للطبيعة التي إذ تنظرُ إليه بعينِ التقييم فإنها لا تراه إلا حدثاً طارئاً في مسارِ رحلتِها التطورية وكينونةً شاذة سرعان ما ستقضي على نفسِها بنفسِها.
والآن، وحضارةُ عصرِنا الحالي موشكةٌ على الانغماسِ حتى النخاع في هذا الهوسِ بالحريةِ والفردانية والانعتاقِ من كلِّ ما هو طبيعي إعلاءً لمنظومةٍ قِيَميةٍ-أخلاقية هي في حقيقتِها أقربُ إلى الانحطاطِ منها إلى ما بالإمكانِ أن يُعتبرَ قيماً وأخلاقاً، أفلم يأنِ لنا أن ندقَّ ناقوسَ الخطر محذرين من نهايةٍ وشيكةٍ لهذه الحضارةِ المفتونة بنفسها والمأخوذة بخبالاتها والسائرةِ بإرادتِها إلى حتفِها؟
