
لا فرقَ بين ذكرٍ وأنثى ما تعلَّقَ الأمرُ بكونِهما بشَرَين يتعيَّنُ على كلٍّ منهما أن يعانيَ الأمرَّين جراءَ خِلقتِه إنساناً ضعيفاً تتقاذفُه أهواءُ نفسِه وتتجاذبُه إراداتٌ وقِوى لا يملكُ ما يحولُ دون أن تضطرَّه إلى ما يجعلُه يزدادُ بؤساً وشقاءً كلَّ ليلةٍ وكلَّ يوم. فشقاءُ الإنسانِ قدَرٌ لا مفرَّ منه، والإنسانُ يقفُ عاجزاً في مواجهةِ قدَرِه هذا يستوي في ذلك ذَكرُه وأنثاه. وما الإصرارُ على أنَّ للأنثى تجربةً تملكُ من السِّماتِ والمقوِّمات ما يجعلُها بالضرورة تتمايزُ عن تجربةِ الذكَر إلا دليلٌ على عجزِنا عن تبيُّنِ الهويةِ الحقيقيةِ للإنسان؛ هذه الهويةُ التي لا يفلحُ معها افتراضُ ما ليس فيها كما لا يفلحُ إغفالُ ما هو جزءٌ أصيلٌ منها. صحيحٌ أنَّ الذكرَ قد فرضَ عليه إرثُه البايولوجي والفسيولوجي ما يجعلُه مقيَّداً بخياراتٍ تتمايزُ عن تلك التي فُرِضت على الأنثى بسببٍ من إرثِها البايولوجي والفسيولوجي، غيرَ أنَّ هذا كلَّه لا يُضفي على التجربةِ الإنسانية ما يجعلُ الأنثى عاجزةً عن استشفافِ ما يميزُ معاناةَ الذكر مع قدَرِه الذكوري. وهذا صحيحٌ أيضاً في حقِّ الذَّكر الذي لا يتعذرُ عليه أن يستشفَّ هو الآخر خصائصَ تجربةِ الأنثى التي فرضَها عليها قدَرُها الأنثوي، وما ذلك إلا لأنَّ الإنسانَ ابتُلي بعقلٍ لا يُعجزُه أن يلحظَ تجلياتِ معاناةِ غيرِه من بَني جِلدتِه البشر، ذكوراً كانوا أم إناثاً، وأن يستبينَ المعاناةَ أنى تجلت. فماذا بمقدورِ الأدبِ النَّسَوي أن يضيفَه، وماذا بمقدورِ الأدبِ الذكوري أن يضيفَه هو الآخر، إذا كان كلٌّ من الأنثى والذكر وجهينِ لحقيقةِ الإنسان لا تناقضَ بينهما ولا قدرةَ لأحدِهما على أن يجلِّيَ من هذه الحقيقةِ ما لا يستطيعُه الآخر.
إن إصرارَنا على الاستمرارِ في الدوران في ذاتِ الدائرةِ من الإشفاقِ على الذات لن يؤديَ بنا إلى الارتقاءِ إلى ما يجعلُنا نتبيَّنُ المشتركَ في تجاربِ الإنسانِ كلِّها جميعاً مهما تنوعت تجلياتُه أنوثةً وذكورة، زنوجةً وعروبة، فقراً وغنى.
إنَّ القولَ بتمايزِ الأدب النسوي عن الأدب الذكوري لن يفضيَ بنا إلا إلى وجوبِ أن نقرَّ بأنَّ هنالك أدباً لكلِّ عِرقٍ من أعراقِ بَني آدم، ولكلِّ طبقةٍ من طبقاتِهم الاجتماعية، ولن ينتهيَ بنا الأمرُ بعدها إلا إلى ترسيخِ الفرقةِ بين البشر عوضَ العملِ على توحيدِ الجهود البشرية بغيةَ الوصولِ إلى تشخيصٍ أدق لهذا الداءِ العضال والخطب الجلل الذي تعاني منه النفسُ البشرية بغضِّ النظر عن جنسِها وعِرقِها وإرثِها الحضاري والثقافي ومستواها المعيشي وتحزُّبِها السياسي. إن عجزَنا عن تحقيقِ هذا الانتصارِ على حماقاتِنا وجهالاتِنا لن ينجمَ عنه إلا مزيدٌ من التمرُّغِ في وحلِ التميُّزِ الزائف الذي لن نجنيَ من ورائِه إلا الخسرانَ المبين.
