برزخٌ تفسِّرُه الأسباب وبرزخٌ تعجزُ الأسبابُ عن تفسيرِه

وردت كلمةُ “برزخ” في القرآنِ العظيم في سياقَين اثنين: السياقُ الأول ذو صلةٍ بظاهرةٍ طبيعية بالإمكانِ تقصِّي أسبابِها، وبالتالي تفسيرِها، وفقَ ما بين أيدينا من قوانين تأتى لنا أن نتبيَّنَها وهي تفعلُ فعلَها في عالمِنا هذا:
1- (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (19- 21 الرحمن).
2- (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) (53 الفرقان).
أما السياقُ الثاني، فهو ذو صلةٍ بواقعةٍ لا قدرةَ لقوانينِ العِلمِ الذي بين أيدينا على التعليلِ لها: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ( (99- 100 المؤمنون). وهذا البرزخُ هو كنايةٌ عما يفصلُ بين عالمِنا هذا و”عالَمٍ آخر” سمَّاه القرآنُ العظيم “كتاب الله”: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ( (55- 56 الروم).
و”كتابُ الله” هذا لا ينبغي أن نماثلَ بينه وبين أيِّ كتابٍ لله وردَ ذِكرُه في القرآنِ العظيم. فلقد جعلَ اللهُ تعالى معنى مصطلح “كتاب الله” يتحدَّدُ وفقاً للسياقِ القرآني الذي يرِدُ خلاله. ولما كان السياقُ الذي يردُ فيه مصطلحُ “كتاب الله” هنا يخصُّ أحداثَ الساعة والبعث والقيامة، فإنَّ التدبرَ الصائبَ لهذا المصطلح يتطلبُ منا وجوبَ أن نحدِّدَ معناه وفقاً لما يقتضيه هذا السياق.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ القرآنَ العظيم قد كشفَ لنا النقابَ عن برزخَين اثنين أحدُهما تفسِّرُه أسبابُ العِلمِ وقوانينُه، والآخرُ تعجزُ هذه الأسبابُ والقوانين عن تفسيرِه.

أضف تعليق