
الإنسانُ ظاهرةٌ استثنائيةٌ فريدة وإن توهَّمَ العِلمُ النظري خلافَ ذلك؛ فليس هنالك من شيءٍ يكرهُه منظِّرو العِلم يفوقُ القولَ باستثنائيةِ الإنسان وتمايزِه عن الكائناتِ البايولوجيةِ الأخرى. ولقد تجلَّى إصرارُ العلماءِ النظريين على كونِ الإنسانِ ظاهرةً بالإمكانِ إخضاعُها لمنطقِ النظرية وما تقتضيه نتائجُها في صياغةِ تصورٍ للإنسان لا علاقةَ له بالإنسان الحقيقي. وما نظريةُ “حالات الوعي المتغايرة” إلا مثالٌ نموذجي يُمكِّنُنا تدبُّرُه من تبيُّنِ ما تشتملُ عليه هذه النظريةُ من أخطاءٍ منهجية تعتورُ بُنيانَها ومادتَها المعرفية وخلاصاتِها الافتراضية. صحيحٌ أنَّ هذه النظريةَ قدَّمت تصوراً تفسيرياً لوعي الإنسان وعدَّدت له مستوياتٍ وحالات جعلت لكلِّ مستوىً وحالة ما يناظرُها على أرضِ الواقع مثالاً تطبيقياً ناجحاً، إلا أنَّ نجاحَها هذا لا يُلزِمُنا بقبولِها دون قيدٍ أو شرط واعتبارِها النظريةَ التي بإمكانِها أن تفسِّرَ حالاتِ الوعي البشري بأكملِها. فلقد أثبتت الدراساتُ الميدانية، والبحوث المختبرية، أنَّ لوعي الإنسان تجلياتٍ لا تنضوي تحت رايةِ هذه النظرية، وأنَّ الواجبَ يدعونا إلى وجوبِ أن نعملَ على صياغةِ مقاربةٍ نظريةٍ أخرى بوسعِها أن تستوعبَ هذه الحالاتِ التي تعجزُ نظريةُ “حالات الوعي المتغايرة” عن تفسيرِها. وهذه النظريةُ البديلة ينبغي أن يؤخذَ في الحسبان وجوبُ أن تستوعبَ تلك الظواهرَ التي لم يجرِ التعاملُ معها وفقاً لما تقتضيه ضوابطُ المنهجِ العِلمي، لا لشيءٍ إلا لأنها تستعرضُ قابلياتٍ وقوىً تقفُ الفيزياءُ التي بين أيدينا عاجزةً حيالها.
إنَّ الاستمرارَ في غضِّ الطرف عن استثنائيةِ الإنسان وتفرُّدِه بقابلياتٍ لا قدرةَ لماضيه البايولوجي -التطوري على تفسيرِها لن ينتهيَ بنا إلا إلى مزيدٍ من العجزِ عن التعاملِ مع الظاهرةِ الإنسانيةِ بكلِّ تعقيداتِها وبكاملِ تفاصيلِها التي طالما تمَّ التعاملُ معها بمنهجِ الإقصاءِ والتهميش. فمتى ندركُ أنَّ الإنسانَ ظاهرةٌ متعاليةٌ على البايولوجيا التطورية؟ ومتى نوقِنُ أنَّ الماضيَ التطوري للإنسان قد تدخَّلت في صياغتِه، وفي مرحلةٍ ما من مراحلِه، وقائعٌ وأحداث لا ينبغي أن نجزمَ بانتفاءِ وجودِها لمجردِ عجزِنا عن تبيُّنِ ماهيتِها؟
