مصر ما بعد أخناتون… لماذا يُعرِضُ الإنسانُ عن التوحيد؟

وفقاً لِعلمِ الاجتماعِ الديني، فإنَّ البشريةَ انتقلت من الإيمانِ بآلهةٍ متعددة إلى الإيمانِ بإلهٍ واحد، وذلك من بعدِ أن تبيَّنت ما لديانةِ التوحيد من أثرٍ عظيم على توحيدِ المجتمعاتِ والأمم. فالعقلُ البشري لم يكن بمقدورِه أن يتبيَّنَ ما للتوحيدِ من قدرةٍ على النهوضِ بالمجتمعات وبما يجعلُها أكثرَ قدرةً على التصدِّي للأعداء وإنجازِ المشاريعِ التي تستدعي بذلَ مجهودٍ جماعي، ولذلك تمثِّلُ هذه الانتقالةُ من الإيمانِ بآلهةٍ متعددة إلى الإيمانِ بإلهٍ واحد خطوةً على طريقِ الارتقاء الحضاري لم يكن بوسعِ الإنسانِ أن يتفاداها، أو يتخلَّفَ عنها، مع الزيادةِ المضطردةِ في أعدادِ السكان وما يقتضيه أمرُ التحكُّمِ فيهم من ضرورةِ وجودِ ضابطٍ أخلاقي- قِيَمي- ديني.
غير أنَّ هذه النظرةَ للعلةِ من وراءِ هجرِ الإنسانيةِ لآلهةٍ متعددة، واتجاهِها صوبَ إلهٍ واحد، تخفقُ في التعليلِ لما حدثَ لمصر بعد أخناتون، والذي تضاربت النظرياتُ بشأنِ نهايتِه بين مَن يقولُ بأنها كانت طبيعيةً ومَن يقولُ بأنها كانت جراءَ عمليةِ اغتيالٍ مدبَّرة. فهذا الانهيارُ السريع للنظامِ الديني الذي شيَّدَه أخناتون على مدى ما يقربُ من 17 عاماً، هو أمرٌ يحتاج أن نوليَه الكثيرَ من التفكرِ والتدبر. فكيف يُعقَلُ أن ينهارَ نظامُ أخناتون الديني، والذي شيَّدَه على أنقاضِ المعابدِ التي كانت مكرَّسةً لعبادةِ آلهةِ مصر المتعددة، هكذا وبمجردِ أن يفارقَ سدةَ الحكم؟ إنَّ هذا الانهيارَ المفاجئ لا يمكنُ التعليلُ له إلا بأنَّ الناسَ لم يجدوا في ديانةِ أخناتون الجديدة، القائمةِ على التعبُّدِ لإلهٍ واحدٍ أحد، ما يُرضيهم ويجعلُهم يُؤثرونه على ما كانوا قد نُشِّئوا عليه من إيمانٍ بآلهةٍ متعددة.
إنَّ تفحُّصَ ما آلت إليه الأمورُ في مصر بعد أخناتون ليدلُّ على أنَّ الإنسانَ ميالٌ بطبعِه إلى اتخاذِ آلهةٍ متعددة طالما كان في ذلك ما يجعلُه يستشعرُ أمناً وطمأنينة لا يكفلُهما له الإيمانُ بإلهٍ واحد. وهذا يُحيلُنا لا محالةَ إلى تبيُّنِ الدينِ الذي كان عليه الإنسانُ؛ فالتوحيدُ لابد وأن يكونَ هو الدين الذي كان عليه الإنسانُ قبل أن يشرعَ في اتخاذِ آلهةٍ متعددة.
وتذكِّرُنا هذه النتيجةُ بما يشدِّدُ عليه الدينُ الإلهي من أنَّ اللهَ هو مَن علَّم الإنسانَ الدين وفرضَ عليه التوحيدَ نمطاً وحيداً يتعبدُ به إليه.

أضف تعليق