لماذا تقدَّمَ الغرب؟ ولماذا تخلَّفَ الشرق؟

سؤالٌ قد يبدو في ظاهرِه بريئاً مبرَّءاً من أيِّ دوافع مؤدلَجة، ولكنه في حقيقةِ الأمر يُخفي في داخلِه رسالةً بينها وبين المباشرةِ والبساطة بونٌ شاسعٌ كبير. ومكمنُ الخُبثِ في هذا السؤال أنَّ السائلَ لن يكتفيَ بأيِّ إجابةٍ يُشبِعُ بها فضولَه المعرفي، وذلك بشهادةِ كونِ سؤالِه هذا هو مقدمةٌ لمنظومةٍ من الأسئلةِ التالية والمتلاحقة والتي يُقصَدُ بها أن تضطرَّ كلَّ مَن ينبري للإجابةِ عليها إلى الخلوصِ إلى نتيجةٍ محددةٍ سَلَفاً تم حبكُها ونسجُها بدهاءٍ منقطعِ النظير. فما يريدُه السائلُ في حقيقةِ الأمر هو الوصولَ بالمجيب إلى تبيُّنِ نتيجةٍ لن يجدَ مفراً يحول دون خلوصِه إليها. وهذه النتيجةُ مفادُها أنَّ الغربَ ما تقدَّمَ إلا من بعد نبذِه للدين، ولسلطتِه المعرفية التي افترضها، وذلك بتغليبِ العقل والاحتكامِ إلى منهجِه المنطقي في التعاملِ المعرفي مع ظواهرِ الوجود، وبكيفيةٍ تُقصي كلَّ ما يتعذرُ الإتيانُ بالبرهانِ عليه. وبذلك فلن يجدَ المجيبَُ على سؤال “لماذا تقدَّمَ الغرب؟” من إجابةٍ على الشقِّ الثاني من السؤال (“ولماذا تخلَّف الشرق؟”) غيرَ أن يقرَّ بألا نهوضَ حضارياً للشرق إلا بأن يفعلَ أهلُه ما فعله أهلُ الغرب من نبذٍ للدين، وتغليبٍ للعقل على كلِّ شيء، واطِّراحٍ لكلِّ ما ليس بالإمكانِ إقامةُ البرهانِ عليه بالحجةِ والمنطق.
ولذلك فلن يسفرَ عن قيامِنا بتتبُّعِ الدعواتِ التي سادت الشرقَ منذ أواخرِ القرنِ التاسع عشر، ومروراً بالقرنِ العشرين وحتى يومِنا هذا، إلا ما يؤكدُ لنا أنَّ الأمرَ لم يكن المقصودَ منه صياغةُ وصفةٍ تُعينُ الشرقَ على النهوضِ من كبوتِه الحضارية، وتكفلُ له اللحاقَ بالغرب، ولكن الأمرَ كان يتعلقُ بالسيرِ على خطى أهلِ الغرب حتى ولو اقتضى الأمرُ من أهلِ الشرق ألا يُبقوا على أيِّ صلةٍ تربطُهم بتراثِهم ولغتِهم وتاريخِهم.
ولكن، ماذا لو افترضنا جدلاً أنَّ السؤالَ عن علةِ تقدمِ الغرب، والسببِ من وراءِ تخلفِ الشرق، كان بريئاً خالصاً لوجهِ الحقيقةِ والرغبةِ الصادقةِ في المعرفة؟ عندها سوف يتبيَّنُ لنا أنَّ الذي جعل الغربَ يصبح سيدَ العالَم هو جملةٌ من الأسبابِ التي يكفينا لتبيُّنِها أن نأخذَ بنظرِ الاعتبار تجربةً شرقيةً تكللت بنجاحٍ ساحقٍ يكادُ يكونُ منقطعَ النظير، وهي التجربةُ اليابانية. فاليابان ظلت محافظةً على ارتباطِها التراثي بماضيها في الوقتِ الذي شرعت في الأخذِ بأسبابِ العِلم حتى تفوقت في كثيرٍ من المناحي الحضارية على الغرب. إذاً هو العلمُ ولا شيءَ آخرَ غيرَه ما جعل الغربَ ينفض عن نفسِه رمادَ القرونِ الوسطى ويحثُّ الخطى على طريقٍ أثمر عن إنجازاتٍ خارقة لم تكن لتخطرَ ببالِ أكثرِ المتفائلين بالقدرِ الإنساني العظيم. فليس أمام الشرقِ إذاً من سبيلٍ ليتقدمَ إلا بالأخذِ بالعِلمِ وأسبابِه وبانتهاجِ منطقِه القويم. وهذا لا يلزم عنه بحالٍ من الأحوال وجوبُ أن يتخلى أهلُه عن دينِهم أو معتقداتِهم. فالتعارضُ المزعوم بين الدينِ والعِلم ليس تناقضاً بين الدينِ والجانبِ التجريبي من العِلم. وكلُّ تعارضٍ بين الدينِ والجوانبِ الميتافيزيقية للعِلم ينبغي أن يبقى محفزاً للارتقاءِ بفهمِنا للدين وللعملِ على تطويرِ ميتافيزيقا العِلم، وبالكيفيةِ التي تجعلُنا نتوصل إلى صيغةِ تفاهمٍ بينهما لا تُلزِمنا على الإطلاق بأن نتخلى عن خيرِ ما في ماضينا، أو أن نُعرِضَ عما فيه سرُّ تفوقِنا المستقبلي.

أضف تعليق