
هل هناك فرقٌ في المعنى بين “العدل” و”القسط” في القرآنِ العظيم؟
يحقُّ لنا ونحن نتدبَّرُ قولَ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 9 من سورةِ الحجرات: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أن نتساءل إن كان هنالك فرقٌ في المعنى بين “العدل” و”القسط” في القرآنِ العظيم.
يكفلُ لنا تدبُّرُ الآياتِ الكريمة التي وردت فيها كلمةُ “العدل” والآياتِ الكريمة التي وردت فيها كلمةُ “القسط” أن نتبيَّنَ حقيقةً مفادها أنَّ هاتين الكلمتَين القرآنيتَين تتطابقان في المعنى وإن تباينتا في المبنى. وهذا أمرٌ ليس بالعسيرِ تبيُّنُ اضطرادِ ورودِه في مواطنَ قرآنيةٍ كثيرة. وهو إن دلَّ فإنما يدلُّ على أنَّ لسانَ القرآنِ العربي المبين لا يضيرُه أن يكونَ للكلمةِ الواحدةِ أكثرُ من معنى، وأن يكونَ للمعنى أكثرُ من كلمةٍ تدلُّ عليه. فـ “العدل” و”القسط” في القرآنِ العظيم يتكاملان بينهما وبما يُضفي على المعنى العام قوةً ترسِّخُه في الذهن، وبما يجعلُ متلقِّي النَّص القرآني يتبيَّنُ معناه الذي تتشاركه هاتان الكلمتان اللتان هما في حقيقتِهما الاشتقاقية يرجعان إلى أصلٍ واحدٍ بِعينِه، وهو الجذرُ اللساني “قَدْر”، وهذه الكلمةُ العربية الأصيلة قد تطورت بدورِها عن جذرٍ أكثرَ قِدَماً هو كلمةُ “قَد”، والتي اتخذت لها مسارَين تطورييَن، وكما يلي:
المسار الأول: قَد، جَد، قَسْت، قِسْط، وهي عينُ الكلمةِ الإنكليزية just والتي تتطابقُ صوتياً ودلالياً مع هذه الكلمةِ العربية (قِسط).
المسار الثاني: كلمةُ “قَد” تطورت إلى “قدر”، كما هو مبينٌ أعلاه، ثم تطورت إلى “أدر” (كما تُلفظ في اللهجةِ المصرية)، ثم تطورت إلى “أدل”، فـ “عدل”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن كلمتي “العدل” و”القسط” لهما ماضياً مشتركاً ضارباً في القدم، وأنه يذكِّر، في بداياتِه الأولى، بما تنطوي عليه كلمةُ “قد” العربية من معنى، أي التماثل والتماهي والتكافؤ والتساوي. وهي معانٍ لا يجادلُ أحدٌ في كونيةِ ارتباطِها بالعدل في أيِّ لغةٍ من لغاتِ الإنسان.
