ما الذي جعلَ آدمَ يأكلُ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ عنها؟

يُلقي البعضُ باللائمةِ على الشيطان إذ يحمِّلُه المسؤوليةَ من وراءِ إقدامِ آدم وزوجِه على الأكلِ من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها. ويستندُ هذا البعضُ إلى مقاربةٍ تفسيريةٍ غيرِ موفقة لقولِ اللهِ تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ( (من 27 الأعراف)، وقولِه تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) (من 36 البقرة). وأصحابُ هذا الظنِّ يوهمون أنفسَهم بأنهم إنما يبرِّئون آدمَ من وزرِ الأكلِ من الشجرة أما وأن الشيطانَ هو مَن أغواه وأضلَّه. وهذا الظنُّ يستندُ إلى فهمٍ خاطئ للغوايةِ والإضلال اللذين هما سلاح الشيطان في حربِه على الإنسان؛ هذه الحربُ التي يكفي الإنسانَ حتى يهزمَ الشيطانَ فيها أن يكونَ ذا عزمٍ شديدٍ وإرادةٍ تستعصي على إضلالِ الشيطانِ وغوايتِه. فلقد حمَّلَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم أبانا آدم المسؤوليةَ كاملةً عن أكلِه من الشجرة، وذلك في قولِه تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (115 طه). ولقد ذكَّرَ اللهُ أبانا آدمَ بنسيانِه هذا، وذلك بقولِه تعالى: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (117 طه)، (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 22 الأعراف).
فآدمُ إذاً هو المسؤولُ الأولُ والأخير عما كان منه إذ أكلَ من الشجرةِ التي نهاه اللهُ عنها. ويحقُّ لنا الآن أن نسأل: ما الذي جعلَ آدمَ يأكلُ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ عنها؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى قد أنبأنا في قرآنِه العظيم بأنَّ الشيطانَ استعانَ بالكذب وسيلةً لجعلِ آدم يصغي إليه، وذلك عندما أقسمَ له بأنه له من الناصحين إذ كشفَ له النقابَ عن حقيقةِ هذه الشجرة: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (120 طه)، (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (من 20- 21 الأعراف).
ولقد انطلت هذه الخدعةُ على أبينا آدم إذ سرعان ما تسلَّلَ إليه الفضولُ وأقدمَ على الأكلِ من الشجرة بوعيِه وكاملِ إرادتِه. ولقد شدد اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم على هذه الحقيقةِ بقولِه: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (من 121 طه).

أضف تعليق