
لم يرِد في القرآنِ العظيم ما يُشيرُ من قريبٍ أو بعيد إلى مصطلحِ “الأديانِ الإبراهيمية”. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على افتقارِ هذا المصطلح إلى الدقةِ التاريخيةِ التي تنأى به بالتالي عن أن يكونَ له مقابلٌ موضوعي على أرضِ الواقع. فلقد وردَ في القرآنِ العظيم مصطلحٌ آخر هو “مِلةُ إبراهيم”. و”ملةُ إبراهيم” هي الملةُ التي أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، والذين آمنوا معه، بأن يتَّبعوها ويهتدوا بِهَديِها:
1- (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( (من 78 الحج).
2- (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (95 آل عِمران).
3- (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا( (125 النساء).
4- (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين) (161 الأنعام).
5- (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (123 النحل).
كما أنَّ اللهَ تعالى لم يذكر في قرآنِه العظيم ما يُفهمُ منه أنَّ هنالك أدياناً مشتقةٌ عن “ملةِ إبراهيم”. فلكلٍّ جعلَ اللهُ تعالى “شرعةً ومنهاجاً” قاسِمُهما المشترك هو “ملةُ إبراهيم”: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون) (من 48 المائدة).
إذاً فلكلٍّ شِرعتُه ولكلٍّ منهاجُه، وما التفاضلُ بين الناسِ أيُّهم أكرمُ عند اللهِ إلا باستباقِ الخيراتِ هذا الذي أنبأنا اللهُ تعالى أنه معيارُ التفاضلِ الوحيد الذي سيتمايزُ البشرُ يومَ القيامةِ بين ناجٍ وهالك بالاستنادِ إليه.
