متى أصبح لآدم نفسٌ؟

تمثِّلُ حادثةُ الأكلِ من الشجرة نقطةً تطوريةً فاصلة في حياةِ الإنسان. فالإنسانُ قبل أن يأكلَ آدمُ وزوجُه من الشجرة هو ليس الإنسانَ بعد أن أكل أبواه منها. وهذا التغيُّر الوجودي الذي طالَ البُنيةَ التكوينيةَ لكلِّ ما يجعلُ من الإنسانِ إنساناً قد تجلَّى بأكثر صورِه قدرةً على الإضرارِ بالإنسان وإلحاقِ الأذى بنظامِ أفعالِه وردودِ أفعالِه. وهذا النظامُ تُحكِمُ سيطرتَها عليه كينونةٌ لا قدرةَ للعقلِ على إخضاعِها لسلطانِ منطقِه. ولذلك ترى الإنسانَ تصدرُ عنه أفعالٌ، أو ردودُ أفعال، قد لا تتفقُ بالضرورة مع ضوابطِ العقل ومحدِّداتِه.
ولقد اصطُلِح على الإشارةِ إلى هذه الكينونة، التي تتمتعُ بإرادةٍ مستقلة عن إرادةِ العقل، بـ “النفس”. وتعود العلةُ من وراءِ هذا التناقض بين هاتين الإرادتَين إلى تلك الحادثةِ التطورية المفصلية في حياةِ الإنسان والمتمثلة بأكلِه من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ عنها. فلقد تشظَّت إرادةُ الإنسان، فأصبح الإنسانُ من بعدِها تتشاركه إرادتان مستقلتان تتصارعان فيما بينهما عليه. ولقد اقتضى إنهاءُ هذا التصارعِ لصالحِ العقل أن يتَّبعَ الإنسانُ هَديَ الله. فالإنسان وحده لن يستطيعَ أبداً أن يحسمَ هذا الصراع لصالحِ العقلِ الذي تكمنُ هذه النفسُ في القلبِ منه. فكيف يتمكَّنُ الإنسانُ إذاً بعقلِه الملتاثِ بهذه النفس من أن يُخضعَ نفسَه لسلطانِه؟
يتكفلُ تدبُّرُ تاريخِ الإنسانِ على هذه الأرض بالإجابةِ على هذا السؤال. فكلُّ المحاولاتِ التي قامَ بها الإنسانُ لإخضاعِ نفسِه لإرادةِ عقلِه انتهت بخضوعِه بالكامل لإرادةِ نفسِه. فكلُّ ما بوسعِ الإنسانِ أن يفعله، وهو في حومةِ هذا المعترك، هو لا أكثرَ من أن يتبيَّنَ أنَّ له نفساً أبيةً متمردةً لا تكفُّ عن تذكيرِه على الدوام بأنها موجودةٌ، وبأنه لن يستطيعَ معها سبيلاً. ولم يستطع جهابذةُ المفكرين من أن يتقدموا خطوةً واحدةً على طريقِ حلِّ هذه الإشكالية، وبما يكفلُ لهم أن يضعوا منهاجاً يتيحُ لكلِّ مَن يتقيَّد به أن ينتهيَ به الأمرُ ونفسُه قد خضعت لإرادةِ عقلِه. ولذلك فلقد توجَّبَ على الإنسانِ أن يتَّبعَ هَديَ الله الذي أرانا تاريخُ الإنسانِ نماذجَ بشرية استطاعت أن تقهرَ إرادةَ نفسِها باتِّباعِها إياه، كما أرانا نماذجَ أخرى لمن أعرضَ عن اتِّباعِ هذا النهج إما بتكذيبِه له أو بعدمِ التقيُّدِ به بحذافيرِه إن هو اتَّبعه.
إنَّ النفسَ، التي هي من أعظمِ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان، هي ليست كينونةً طبيعيةً بالإمكانِ تبيُّنُ صلتِها بالطبيعة. ولذلك فإنَّ تتبُّعَها عبرَ العصورِ والدهور، كما كشفت عن وجهِها فيما اضطرت الإنسانَ إلى القيامِ به من أفعالٍ، أو ردودِ أفعال، تتنافى مع الطبيعة، ليجعلنا نرى في إرجاعِ أصلِ نشأتِها إلى الأكلِ من الشجرة لا يتعارضُ مع ما يقتضيه المنطقُ الذي يُجوِّزُ لنا أن نسبِّبَ لما هو غيرُ طبيعي بِعلةٍ غيرِ طبيعيةٍ هي الأخرى.

أضف تعليق