
العدلُ بمعناه الذي عرَّفه به قرآنُ الله هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه في قولِه تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ( (من 45 المائدة). فالعدلُ هنا يعني المطابقةَ التامةَ الكاملة بين شيئين، وهو ذات المعنى الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه في قَولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) (من 95 المائدة). فالعبارةُ القرآنيةُ الجليلة “عَدْلُ ذَلِكَ”، في هذه الآيةِ الكريمة، تعني “قدرَ ذلك” أو “بقدرِ ذلك”.
إذاً هذا هو العدلُ الذي يأمرُنا اللهُ تعالى به. أما الإحسان، والذي أمرنا اللهُ تعالى به أيضاً، فيعرِّفُه قرآنُ اللهِ كما يلي:
1- (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ(، وذلك في قولِه تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاص فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) (من 45 المائدة).
2- (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (من 14 التغابن).
3- (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى( (من 237 البقرة).
4- (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (109 البقرة).
5- (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (13 المائدة).
6- (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 134 آل عِمران).
7- (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (127- 128 النحل).
فالإحسانُ إذاً هو الصفحُ والعفو والمغفرةُ وكلُّ ما يصدرُ عن الإنسانِ من قولٍ أو فعل يبتغي به وجهَ اللهِ تعالى وإن تعارضَ ذلك مع ما تدعوه إليه نفسُه من ردٍّ بالمثل أو بأسوأ، ومن مقابلةِ الإساءةِ بالإساءة أو بما هو أسوأ منها. ولذلك أمرَ اللهُ تعالى بالإحسان ولم يقتصر أمرُه على العدلِ فحسب. فالإحسانُ يتطلبُ من الإنسانِ مجاهدةً لنفسِه التي تمجُّ كلَّ ما هو ذو صلةٍ بما يقومُ عليه الإحسان مما يضطرُّ النفسَ إلى ما لا تهوى ويحملُها على ما لا تحب. فإذا كان اللهُ تعالى قد كفلَ لك أن تأخذَ بالعدل ما قد شرعَه لك في قرآنِه وفصَّلَته آياتُه البينات، فإنه قد أمركَ أيضاً بالإحسانِ الذي يحبُّه ويحبُّ أهلَه.
