
قلما يتفقُ البشرُ كلُّهم جميعاً على شيء، ولذلك فإنَّ توافقَهم بشأنِ فكرةٍ ما لابد وأن يكونَ أمراً يستحقُّ التأملَ والتفكرَ والتدبُّر. فهذا التوافقُ الجماعي، المتعالي على حدودِ المكانِ ومحدداتِ الزمان، لابد وأنه يضرب بجذورِه عميقاً في الوجدان الجمعي الإنساني، لا كما تخيَّله عالِمُ النفس السويسري “كارل غوستاف يونغ”، ولكن كما ينبغي أن يُنظَرَ إليه من منطلقِ كونِ الإنسان، كائناً ما كان جنسُه أو عِرقُه أو تديُّنُه أو معتقدُه أو ثقافتُه أو مستواه الطبقي والاجتماعي، ذا نفسٍ هي التي تقفُ من وراءِ هذا الإجماع، وذلك بحكمٍ من كونِها مفردةً أساسيةً من مفرداتِ تشكُّلِه البشري ككيانٍ تعيَّنَ عليه أن يفارقَ ربوعَ ماضيه التطوري، ويخالف بالتالي ما أجمعَت عليه الطبيعةُ بنباتِها وحيوانِها ما لا قدرةَ للعِرقِ والجنس والتديُّنِ والمستوى الطبقي على التعليل له. ومن القليلِ الذي توافقَ بشأنِه السوادُ الأعظم من البشر في كلِّ زمانٍ ومكان، هو هذا الإجماعُ على أنَّ “الإنسانَ محورُ الكون”.
ويكفي هذا الإجماعَ قوةً وسلطة أنَّ كثيراً ممن يمارسون العِلم لا يجدون أيَّ غضاضةٍ في أن يوافقوا كثيراً من المتدينين فيما ذهبوا إليه من زعمٍ بتمحورِ الكونِ من حولِ الإنسان! فعظمةُ الإنسانِ المزعومة هي قاسمٌ مشتركٌ يوحِّدُ بين هذين الفريقَين اللذين قلما يُجمعان على أمر، ونادراً ما يتفقان بشأنِ شيء. وما ذلك إلا لأن القولَ بمحوريةِ الإنسانِ في الكون هو كلُّ ما يحتاجُه هؤلاء وهؤلاء للتعبيرِ عما يجول في صدورِهم من تطلعٍ إلى صياغةِ تصورٍ للإنسان يعظِّم من تفرُّدِه ويفخِّم من استثنائيتِه، وبالمعنى الذي يجعلُه أحقَّ الكائناتِ بفرضِ سيادتِه على الأرضِ وجميعِ كائناتِه!
