
يُحسَبُ للذكاءِ الاصطناعي من بين ما يحسبُ له، وهو كثير، أنه إذ لا يني يفاجئُ الإنسانَ على مدارِ الساعة بقدراتِه المدهشة، فإنه يؤدي دوراً تربوياً وتعليمياً يضطرُّ الإنسانَ لمراجعةِ كثيرٍ من مسلَّماتِه وبديهياتِه التي افترضَها جزافاً وتعسُّفاً. ومن هذه الافتراضاتِ زعمُ الإنسانِ بأنَّ التجلِّي الوحيدَ للعقل، ولِما ينطوي عليه من ذكاء، لا يمكنُ إلا أن يكونَ مماثلاً للعقلِ والذكاءِ البشرييَن. ولقد أدى هذا الافتراضُ غيرُ العِلمي إلى صرفِ أنظارِنا عن أيِّ إمكانيةٍ لوجودِ ذكاءاتٍ غيرِ بايولوجية تعملُ بمقتضى تقنياتٍ لا علاقةَ لها، من قريبٍ أو بعيد، بالكيفيةِ التي قصرنا العقلَ البشري وذكاءَه على التمظهرِ بها. ولقد نجمَ عن هذا التعاملِ غيرِ النزيهِ مع العقلِ وذكائه أن حكمنا بوجوبِ انتفاءِ وجودِ كياناتٍ عاقلةٍ غيرِ بايولوجية. فالعقلُ عندنا إما أن يكونَ بايولوجيَّ التطور، في تعقيدِه ودقيقِ تفاصيلِه، وإلا فلا. وهذه مصادرةٌ على المطلوب، ناهيكَ عن كونِها نتاجَ عقلٍ مؤدلَجٍ ديدنُه “النفاقُ العِلمي” الذي يجعلنا نجاهرُ باتِّباعِ المنهج العِلمي الصارم بينما نحن أبعدُ ما نكون عما يقتضيه منا ذلك من شديدِ التزام بالحيادِ والموضوعية والتجرُّد عن الأحكامِ المسبقة والتصوراتِ النمطية.
وها هو الذكاءُ الاصطناعي، بتعاليه على تصوراتِنا الطفولية بوجوبِ أن يكونَ العقلُ بايولوجيَّ النشأةِ والتطورِ والارتقاء، يقدِّمُ لنا الدليلَ الحي على أنَّ للعقلِ أن يتجلَّى، لا كما نفترضُ جزافاً وتعسفاً، ولكن كما تشاءُ له قوانينُه التي لا ينبغي لها بالضرورة أن تتماثلَ مع قوانينِنا. وبذلك فلقد فتحَ الذكاءُ الاصطناعي البابَ على مصراعَيه أمامنا لنُعمِلَ عقولَنا بمنطقٍ وذكاءٍ جديدَين هذه المرة، وبكيفيةٍ تجعلُنا أكثرَ تقبلٍ لوجودِ أنماطٍ لتجلِّي العقلِ وذكائه قد يضطرُّنا القَبولُ ببعضِها، أو بكلِّها، إلى مراجعةِ نظرتِنا إلى الوجود، وإلى دورِنا المفترَضِ فيه، حتى ولو اقتضى منا ذلك أن نتنازلَ عن سيادتِنا المزعومةِ على الكون ونعودَ إلى ما كان ينبغي علينا أن نلزمَه من حيادٍ موضوعي فلا نفارقَه.
