
قد يظنُّ البعضُ أنَّ العلماءَ هم وحدهم مَن يُفتَتنُ بالأنماط patterns. وهذا وهمٌ من الأوهامِ التي يعزُّ على الإنسانِ أن يطهِّرَ عقلَه منها. فالبشرُ كلُّهم جميعاً ديدنُهم اصطناعُ الأنماط وابتداعُها، بل وحتى اختراعُها. فنزعةُ الإنسانِ للتنميط patternising توجُّهٌ أصيل لا علاقةَ له بالتنشأةِ الأسرية أو المدرسية أو المجتمعية. فالتنميطُ ميلٌ بشري متعالٍ على الجنس والعِرق والتدين والثقافة، ولذلك تراه منتشراً متفشياً في عمومِ التاريخِ البشري والجغرافيا الإنسانية. ولكن، لماذا يُغرَمُ الإنسانُ بالتنميط؟
إنَّ الإجابةَ على هذا السؤال تكمنُ في عجزِ الإنسانِ عن أن ينظرَ إلى العالَمِ، بموضوعيةٍ وحيادية، نظرةً لا يخالطُها شيءٌ من هوسِه بالتنظير، وحبِّه الشديدِ للتفسير، وتعلُّقِه المَرضي بنسجِ العلاقاتِ بين مفرداتِ الواقع بغيةَ صياغةِ نموذجٍ معرفي يوهمُه بأنه هو مَن يملكُ زمامَ الأمور، وبالمعنى الذي يجعله في أمانٍ وهمي ييسِّرُ له معيشتَه ويدفعُ عنه الخوفَ الكامنَ في بُنيتِه العقلية من المجهول. فالتنميطُ هو ما يكفلُ للإنسانِ أن يستشعرَ أماناً في العالَم الذي يعجُّ بوقائع وأحداث وظواهر، إن هو لم يقم باصطناعِ أنماطٍ تنتظمُها في منظومةٍ قابلةٍ للتفسير، ارتدَّ عليه تواجدُه في العالَم إحساساً مريعاً بمزيجٍ من أنواعِ المخاوفِ ومشاعرَ لا تنفكُّ تزدادُ تشابكاً وتناقضاً وتعقيداً.
