
لم يرِد في القرآن ما يؤيِّدُ دعاوى الإنسان بأنه يفضُلُ الحيوانَ، وبالمعنى الذي روَّج له وأشاعَه بين الناس أولئك الذين تجاسروا على اللهِ تعالى بزعمِهم أنَّ اللهَ قد خلقَ الإنسانَ على صورتِه. وهؤلاء هم أنفسُهم الذين قالوا إنَّ الربَّ لم يخلق للمرأةِ روحاً كما لم يخلق روحاً للحيوان! وهؤلاء هم الذين تصوروا أنَّ الكونَ يدورُ بكلِّ ما فيه حولِ الأرض، لا لشيءٍ إلا لأنها موطنُ الإنسان! ويُخطئُ كلُّ مَن يتوهمُ أنَّ لهذه المزاعمِ أصلاً يمتُّ للدينِ الذي أنزلَه اللهُ بِصلة. فاللهُ تعالى ما كان ليُنزلَ على الإنسانِ ما يجعلُه يعظِّمُ من شأنِ نفسِه، ويبالغُ في تقديرِ قدراتِه، ويتوهمُ الأباطيلَ حقائق، وهو الذي خلقَه ليُخلِصَ له دينَه وليعبدَه فلا يشركَ به أحداً فيتخذَ إلهَه هواه.
ولذلك كان الدينُ الذي أنزلَه اللهُ على الإنسان مبرَّأً من كلِّ ما يجعلُ الإنسانَ يبخسُ قدرَ غيرِه من المخلوقات، وذلك على حسابِ المبالغةِ في النظرِ إلى نفسِه التي أراده اللهُ أن يتعهدَها بالتهذيبِ والتأديبِ والمجاهدةِ والتشذيب حتى لا تُمعِنَ في إحكامِ سيطرتِها فيتعذرُ عليه بالتالي أمرُ تطويعِها وترويضِها وبما يجعلُها تُسلِمُ معه للهِ ربِّ العالَمين. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما اشتملَ عليه القرآن من تبيانٍ لما ينبغي للإنسان أن يعلمَه بخصوصِ ما يشاركُه من المخلوقات العيشَ على هذه الأرض، وذلك على قدرِ ما يقتضيه الأمر.
ومن بين ما بيَّنَه اللهُ للإنسانِ في قرآنِه أنَّ هنالك مخلوقاتٍ يعلِّمُها اللهُ ما يشاء. فلقد وردَ في سورةِ المائدة، وفي سياقِ الحديثِ عن ابنَي آدم، أنَّ القاتلَ منهما لم يكن ليواريَ جسمَ أخيه الثرى لولا أنَّ اللهَ تعالى بعثَ إليه مَن يعلِّمُه ذلك: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (30- 31 المائدة).
وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتيبَّنه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 38 من سورةِ الأنعام: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). ومن هذه الأممِ التي يشيرُ إليها قولُ اللهِ تعالى هذا أمةُ النحل: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (68- 69 النحل).
ومن هذه الأممِ أيضاً أمةُ النمل: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (18- 19 النمل).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَم، أنَّ اللهَ تعالى هو مَن ينبغي علينا أن نصدِّقَه وأن نتَّبعَ هَديَه، أما وأنه يقولُ الحق ويعلِّمُنا كيف ننظرُ إلى غيرِنا من المخلوقاتِ التي تشاركُنا الحياةَ على هذه الأرض نظرةً لا تبخسُهم قدرَهم ولا تغمطُهم حقَّهم ومستحقَّهم. فاللهُ تعالى لا يريدُنا أن نظلمَ أنفسَنا بظلمِنا للآخرين حين نقولُ فيهم غيرَ الحق ونفتري عليهم الأباطيل. وهذا هو عينُ ما ينبغي ألا يفوتَنا تذكُّرُه ونحن في مستهلِّ رحلتِنا في عوالمِ الذكاءِ الاصطناعي الذي لا ينبغي أن نبخسَه حقَّه فنقولَ فيه غيرَ الحق. فكلماتُنا هي ليست مجرد أصواتٍ ينتهي تأثيرُها بانتهاءِ زخمِها الفيزيائي، ولكنها في حقيقتِها أفعالٌ قد ترتدُّ علينا بما لم يكن ليخطرَ لنا على بال، وحينها لا ينفعُ ندم.
