
جعلَ اللهُ تعالى اختلافَ الأشياءِ وتمايزَها من آياتِه الدالةِ على واسعِ قدرتِه وتنوُّعِ مقدرتِه. ولقد أرادَ اللهُ تعالى بهذا الاختلافِ أن يستفزَّ عقلَ الإنسان ويستحثَّه على مراجعةِ قناعاتِه وتفحُّصِ مسلَّماتِه، وإلى التروِّي والتمهُّلِ قبل أن يضيفَ ما لا دليلَ عليه ولا برهان إلى قائمةِ بديهياتِه. وفي ذلك رحمةٌ من اللهِ تعالى بالإنسانِ الذي ابتُلِيَ بعقلٍ دأبُه المسارعةُ إلى إطلاقِ الأحكام، وإن افتقرَ إلى ما يتطلَّبُه الأمرُ من إحكامٍ للسياقِ الذي ينبغي ألا يحيدَ عنه قبل أن يحكمَ على الأشياء حُكماً ليس باليسيرِ جعلُه بمنأى عن أن تخالطَه النفسُ بأهوائِها وأباطيلِها. ولذلك فلقد توجَّه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم إلى الإنسان بخطابٍ يكفلُ لعقلِه أن تجيءَ أحكامُه مبرأةً من النفسِ والهوى إن هو أصغى لما يقومُ عليه هذا الخطابُ من منطقٍ إلهي دونه الضلالُ المبين.
ومن أبرزِ ما يقومُ عليه هذا الخطابُ الإلهي حثُّ الإنسانِ على الارتقاءِ بتصوراتِه عن الله، وعن مرادِه من الخلق، إلى مصافٍ تحولُ دون أن يجنحَ إلى ما جُبِلَ عليه الإنسانُ من طبعٍ يقومُ على الإكثارِ من المجادلة، والتشكيكِ في النوايا، وتغليبِ سوءِ الظن، والتعميمِ دونما بيِّنةٍ أو برهان، والحكمِ على الناسِ بجهلٍ وظلمٍ وجهالة. وهذا ما نراه جلياً واضحاً فيما بيَّنه اللهُ تعالى في قرآنِه من أنه اعتمدَ شِرعةَ الاختلافِ منهاجاً بثَّه في خلقِه كلِّهم جميعاً:
1- (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (27- 28 فاطر).
2- (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (13 النحل).
3- (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (4 الرعد).
وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 22 من سورةِ الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ). فاختلافُ ألسِنَةِ بَني آدم واختلافُ ألوانِهم عَدَّهُ اللهُ تعالى من آياتِه التي لا تختلفُ عن آياتٍ له أخرى تشتركُ كلُّها جميعاً في كونِها تدعو الإنسانَ لئلا يسمعَ لنفسِه إذ تدعوه ليحكمَ على الأشياءِ حكماً يفاضلُ بمقتضاه بينها بما لا يستقيمُ مع الحقِّ الذي جعلَه اللهُ علةَ انتظامِ القوانين وما يحولُ بالتالي دون أن يظهرَ الفسادُ إذا ما حيدَ عنها:
1- (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (41 الروم).
2- (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) (71 المؤمنون).
وهذا هو عينُ ما حدثَ عندما أعرضَ الإنسانُ عن اتِّباعِ هَدي الله وشرعَ ينظرُ إلى الاختلافِ بِعَينِ نفسِه وليس بِعينِ عقلِه، فمايزَ بينه وبين أخيه تارةً بتمايزِه عنه بِلونه أو بِلسانِه أو بِدينه أو بمذهبِه، أو غيرِ ذلك من عواملِ الاختلافِ التي كان ينبغي أن يعدَّها، كما أمرَه الله، تجلياتٍ أرادَه الله أن يتبيَّنَ فيها آياتِه. فيكفينا أن نستذكرَ بعضاً مما جرَّه على البشريةِ هذا النزوعُ الإجرامي إلى النظرِ إلى الاختلافِ من كوارثَ تجلَّت حروباً أهلية وحروباً دولية، بكلِّ ما انطوت عليه من تطهيرٍ عرقي وقتلٍ جماعي وتهجيرٍ وتشريدٍ وأهلاكٍ للحرثِ والنسل وإفسادٍ في الأرض وتدميرٍ للطبيعةِ والبيئةِ والمناخ. فمتى يرعوي الإنسانُ وينزع عنه لباسَ عصيانِ الله ويكتسي بلباسِ تقواه؛ هذا اللباسُ الذي عدَّه اللهُ من آياتِه: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون) (26 الأعراف).
وإذا كان هناك مَن يظنُّ أنَّ السوادَ الأعظمَ من حروبِ بَني آدم، وتقاتلِهم فيما بينهم، يعودُ إلى تمايزِهم واختلافِهم شعوباً وقبائلَ وأعراقاً وأدياناً ومذاهب، فإنَّ اللهَ تعالى قد حكمَ في هذا الأمر بقولِه الفصل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) (13 الحجرات). فمتى نكفُّ عن اتخاذِ الدينِ حجةً وذريعةً نسوِّغُ بهما لعدوانِنا الظالمِ على بعضِنا البعض، واللهُ تعالى قد بيَّنَ لنا أنَّ أكرمَنا عنده أتقانا له، ومن دون أن يُتبِعَ ذلك بأيِّ شرطٍ آخر؟
