
طغيانُ الإنسان مظهرٌ من أكثرِ مظاهرِ الحقيقةِ البشرية شيوعاً في الماضي والحاضر. وهذا الطغيانُ يتجلى تجلِّيه الأعظم حين تُوهِمُ الإنسانَ نفسُه أنه مخولٌ بأن يفعلَ في الأرضِ ما يشاء، من سفكٍ للدماء وإظهارٍ للفساد، أما وأنه قد بلغَ من القوةِ والمنَعَةِ مبلغاً عظيماً. ولا يحتاجُ الأمرُ بعدها غيرَ أن يُزيِّنَ للإنسانِ أفعالَه الظالمةَ هذه نفرٌ من الناسِ فرضوا وصايةً على الدين تُلزِمُ الآخرين بأن يسمعوا لهم إذا ما سوَّغوا لهذا الطغيان وأسبغوا عليه لبوساً لاهوتياً تبَررُ بمقتضاه الفظائعُ والجرائمُ وإن تمخَّضَت عنها سيولٌ من الدماء وتلالٌ من الأشلاء.
وخيرُ دليلٍ على ذلك الكيفيةُ التي تجلَّت بها عظمةُ الحضارةِ الأوروبية في عصرِ الاستكشافِ الجغرافي، حين وطأت قدما الإنسانِ الأوروبي أرضَ العالَمِ الجديد وشرعَ في استئصالِ أهلِه واجتثاثِ حضاراتِهم وتراثِهم، وأظهرَ في سبيلِ نشرِ دينِه وسيادةِ معتقداتِه من عظيمِ “الرحمة” ما تجلَّى مجازرَ وإباداتٍ جماعية وتعذيباً وتحريقاً وتقطيعاً للأوصال، يكفينا حتى نتبيَّنَ شيئاً يسيراً منه أن نقرأَ ما دوَّنه البعضُ من رجالِ الدين الاسبان الذين هالَهم ما اقترفَه أبناءُ جِلدتِهم فلم يجدوا غيرَ أن يشهدوا شهادةَ الحق وإن اكتفوا بسطرِها في يومياتِهم.
