
وردَ في القرآنِ ما لسنا بواجدين ما يماثلُه في العهدِ القديم والعهدِ الجديد. ويفنِّدُ هذا التفرُّدُ القرآني الرأيَ القائلَ بأنَّ كلَّ ما جاء به القرآنُ قد سبقَ وأن أوردَه هذان الكتابان. ومن بين ما تفرَّد به القرآنُ ما جاء فيه من أنَّ الجنَّ ليسوا كلُّهم سواء، وذلك كما نقرأُ في العهدِ القديم والعهدِ الجديد. فهذان الكتابان ينظران إلى الجن على أنَّهم كلُّهم جميعاً شياطين. وهذا ما لا نجده في القرآنِ الذي بيَّنَ لنا أنَّ من الجنِّ مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر، وأنَّ منهم صالحين ومنهم قاسطين. فالجنُّ وفقاً للقرآن، مخلوقاتٌ تتعدَّدُ مذاهبُهم وتتنوعُ عقائدُهم، فلا يصحُّ بالتالي أن نتوهمَ أنهم كلُّهم يدينون ذاتَ الدين: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا. وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا. وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا. وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا( (11- 15 الجن).
وبهذا المعنى نقرأُ في سورةِ الأحقاف، وفي الآياتِ الكريمة 29- 32 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
وهذا ما لا نجد ما يماثلُه في العهدِ القديمِ والعهدِ الجديد. ومن عجيبِ الأمورِ وغريبِها أنَّ كثيراً ممن يُفترَضُ بهم أنهم يقرأون القرآن، ويتدبَّرون آياتِه، يتوهمون أنَّ الجنَّ هم الشياطين، وأن ليس منهم مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ويخافُ اللهَ ويتَّقيه!
