في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ”

في القرآنِ العظيمِ آياتٌ لن يُمكَّنَ متدبِّرُها من الإحاطةِ بالمعنى الذي تنطوي عليه إن هو لم يتبيَّن السياقَ الزماني الذي تتحدثُ عنه. ولذلك فلا يصحُّ أن يسارعَ المتدبرُ إلى افتراضِ سياقٍ زماني لمجرياتِ الأحداثِ التي تشيرُ إليها الآيةُ الكريمة قيدَ التدبُّر. ومن ذلك، قَولُ اللهِ تعالى “وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ”. فكثيرٌ ممن يفسرون هذه الآيةَ الكريمة يتوهمون أنها تتحدثُ عن زمانِ يومِ القيامة. وهذا أمرٌ ليس بالعسيرِ تبيُّنُ خطئه إن تدبرنا هذه الآيةَ الكريمة في سياقِها القرآني: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ. وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) (51- 54 سورة سبأ).
فالآياتُ الكريمة، وبدلالةٍ من السياقِ الذي تردُ فيه، تتحدثُ عن هذه الحياةِ الدنيا وعن الساعاتِ الأخيرة قبل أن يغادرَها إلى برزخِ الآخرة مَن تصف هذه الآياتُ حالَهم مع اللهِ تعالى. فهؤلاء سوف يُحالُ بينهم وبين ما كانوا فيه من انشغالٍ عن اللهِ تعالى بمتاعِ هذه الحياةِ الدنيا؛ إذ لا عودةَ إلى ما كانوا عليه أما وأن اللهَ تعالى قد قضى بوجوبِ مغادرتِهم لها. وهذا هو عينُ ما فعلَ اللهُ تعالى بمن سبقهم من الكافرين الذين كانوا، وبحالِهم مع الله، أمثالَهم وأشياعهم.
والمعنى الذي تشيرُ هذه الآياتُ الكريمة لَيذكرنا بقولِ اللهِ تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99- 100 المؤمنون).

أضف تعليق