
لنتدبَّر قولَ اللهِ تعالى: (الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون) (1- 3 البقرة).
لقد شاعَ في الناسِ ظنٌّ مفادُه أنَّ “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ” هم الذين يؤمنون بكلِّ ما عدَّه اللهُ تعالى مغيَّباً عن الأبصارِ والأفهام، فلا قدرةَ بالتالي لأعيننا على أن تراه ولا لعقولِنا على أن تفهمَه، كالملائكةِ واليومِ الآخر والجنةِ والنار. وهذا ظنٌّ يفنِّدُه كونُ الغيبِ في القرآن يشتملُ على مفرداتٍ أخرى كالجن ومنهم الشيطانُ وذريتُه من الشياطين، وعوالمٌ تمتدُّ بامتدادِ السمواتِ والأرض يصحُّ فيها القولُ بأنها مما لا قدرةَ لأبصارِنا على أن تراه ولا لعقولِنا على أن تحيطَ به. ويؤكدُ ذلك أنَّ القرآنَ قد بيَّنَ لنا أنَّ الإيمانَ بالغيب هو ليس تعريفاً للإيمان بدلالةٍ من المفرداتِ التي يتوجبُ علينا أن نؤمنَ بها، إذ أنه تعريفٌ بالكيفيةِ التي ينبغي أن يكونَ عليها إيمانُنا، وأنه لابد وأن يكونَ قائماً على أساسٍ من انتفاءِ وجوبِ أن يكونَ الإيمانُ مبرهناً عليه بما يقتضيه من دليلٍ وبرهان. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (من 18 فاطر).
2- (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) (من 11 يس).
3- (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (من 25 الحديد).
4- (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) (من 94 المائدة).
5- (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) (من 61 مريم).
أما الإيمانُ باليومِ الآخر، فهو الذي يحددُ ما ينبغي أن يكونَ مادةً نؤمنُ بها وجوباً، كما في قولِ اللهِ تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (من 22 المجادلة).
