
شاعَ فينا وذاع تفسيرٌ لقولِ اللهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين) (119 التوبة)، مفاده أنَّ “اللهَ تعالى أمرَ الذين آمنوا أن يتقوه وأن يكونوا مع الصادقين الذين أعرضوا عن الكذب ونأوا بأنفسِهم عنه فلم يلتجأوا إليه وسيلةً ليدفعوا عنهم بها ضرراً أو أذىً أو يكسبوا بها منفعةً وخيراً”. وهذا رأيٌ لا يستقيم مع لسانِ القرآنِ العربي المبين الذي يقتضي من متدبِّرِ آياتِه ألا يحكِّمَ فيها غيرَه لساناً. فاللهُ تعالى يريدُ من الذين آمنوا أن يتقوه، وأن يكونوا “من الصادقين” الذين صدقوا ما عاهدوه عليه، والذين وعدهم أن يجزيهم بصدقِهم (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) (من 21 سورة الأحزاب). فاللهُ تعالى يريدُ من الذين آمنوا إذاً أن يتقوه وأن يصدقوه قولَهم وعملَهم، لأن صدقَهم هو ما سينفعهم يوم القيامة (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (119 المائدة).
فالصادقون في القرآنِ العظيم هم عبادُ الله الذين تصدقُ أعمالُهم أقوالَهم، وهم الذين يقولون ما يفعلون، وهم الذين أوفوا بعهدِهم مع الله: (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (من 10 الفتح).
فسيدُنا إبراهيم امتدحه اللهُ تعالى لصدقِه معه بقولِه: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (37 النجم).
ولقد امتدح اللهُ تعالى السيدةَ مريم بقولِه: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (من 12 التحريم).
ولقد عرَّفَ اللهُ تعالى الصادقين في قرآنِه العظيم بقولِه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (15 الحجرات).
والصادقون هم الذين امتدحهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بقولِه: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (8 الحشر).
فالصدقُ الذي وصفَ اللهُ تعالى به عبادَه الصادقين هو شأنٌ بينه وبينهم، وهو يمثلُ حالَهم معه في تعبدِهم له وحسنِ ظنهم به وتوكلِهم عليه وإنابتِهم إليه؛ فهم في كلِّ تجلٍّ من هذه التجليات لا يبتغون إلا وجهه مخلصين له الدينَ وحدَه.
