
عرَّفنا القرآنُ العظيم بعالَمٍ آخر غير ذاك الذي يقبعُ السوادُ الأعظمُ منا أسرى قوانينِه ومحدِّداتِه التي فرضَها التحالفُ القائمُ بين الفيزياء والبايولوجيا والكيمياء والجيولوجيا وغيرِ ذلك من العلومِ والمعارفِ التي ما كانت لتقومَ لها قائمة لولا ما بُثَّ في الوجودِ من تلك القوانينِ والمحدِّدات. فعالَمُ سيدِنا موسى هو عالَمٌ تتجلى فيه تأثيراتُ قوانينَ أخرى غير تلك التي اعتدناها وألِفناها، وذلك حين يأذنُ اللهُ لهذه القوانين بأن تتجلى بإذنِه.
فالنارُ التي طالما خبرها سيدُنا موسى تحرقُ كلَّ ما يُلقى فيها، إذا بها لا تُحرِقُ الشجرةَ التي في قلبِها! وإذا به يسمعُ صوتَ اللهِ يكلِّمُه تكليماً: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) (9- 12 طه).
وعصا سيدِنا موسى انقلبت ثعباناً مبيناً بلمحِ البصر: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِين) (107 الأعراف).
ويدُ سيدِنا موسى المعطوبة استحالت سالمةً من كلِّ عاهة، مبرَّأةً من كلِّ أذى، بلمحِ البصرِ أيضاً: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) (من 32 القصص).
فيا له من عالَمٍ عجائبي ذاك الذي قُدِّرَ لسيدِنا موسى أن يشهدَه بأُمِّ عينِه؛ عالمٌ لا سلطةَ للفيزياءِ والبايولوجيا، كما نعرفُهما، عليه؛ عالمٌ تتجلى فيه تأثيراتٌ لفيزياءَ أخرى وبايولوجيا أخرى غير التي نعرف.
ثم أنَّ عصا سيدِنا موسى ذاتَها استحالت ثعباناً مبيناً تلقَّفَ حبالَ سحرةِ فرعون الطاغية وعِصيَّهم ثم عادت سيرتَها الأولى عصاً لا فرق بينها وبين أي عصا أخرى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) (117 الأعراف).
ومصرُ التي عرفها سيدُنا موسى قبل أن يأمرَه اللهُ بأن يذهبَ إلى فرعونَ الطاغية، ليستخلصَ قومَه من بطشِه وظلمِه، هي غيرُ مصرَ التي شهدت ما أنزلَه اللهُ بساحةِ فرعونَ وقومِه من عظيمِ البلاء: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) (133 الأعراف).
والبحرُ الذي شقَّه اللهُ بِعصا سيدِنا موسى هو غيرُ البحرِ الذي كان يعرفُه سيدُنا موسى من قبل: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (63 الشعراء).
والجبلُ الذي تجلَّى اللهُ له فجعلَه دكاً هو غيرُ ما كان يعرفُ سيدُنا موسى من جبال: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) (من 143 الأعراف).
والحجرُ الذي خبرَه سيدُنا موسى صلداً استحالَ بضربةٍ من عصاه منبعاً لإثنتي عشرَ ينبوعاً، وسماءُ سيناء التي خبرَها سيدُنا موسى سنواتٍ عدة من حياتِه صارت تُسقِطُ مناً وسلوى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) (من 160 الأعراف).
إنَّ العالَم الذي قُدِّرَ لسيدِنا موسى أن يراه هو عالمُنا هذا ولكن من بعدِ أن شهدَ من تجلياتِ اللهِ ما كان كفيلاً بأن يُحدِثَ فيه ما ليس متضمَّناً فيه عادةً. وهذا أمرٌ يُوجِبُ على أولئك الذين يريدون أن يطوِّعوا نصوصَ القرآنِ كما تشتهي أنفسُهم أن يُعيدوا النظرَ في نظرتِهم إلى العالَمِ التي شابها من تحكيمِ المنطقِ البشري في ظواهرِه ما جعلهم يتوهمون أنَّ بإمكانِهم أن يفسِّروا المعجزاتِ بما لا يتعارضُ مع قوانينِ العقل وموجِباتِ المنطق.
