في بعضٍ مما أجازَ اللهُ به رسولَه الكريم وفي بعضٍ مما اختصَّ اللهُ به نفسَه

أرسلَ اللهُ تعالى سيدَنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم داعياً إليه بإذنِه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (45- 46 سورة الأحزاب).
ولقد شدَّدَ اللهُ في قرآنِه العظيم على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يدعوَ إلى سبيلِه تعالى، وحدَّدَ له الكيفيةَ التي ينبغي أن يدعو بها الناسَ إليه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (من 125 النحل). وقد جعلَ اللهُ تعالى هذه الدعوةَ إليه عملاً ألزمَ به رسولَه الكريم إلزاماً لم يجعل له مناصاً منه؛ إذ بيَّنَ اللهُ تعالى له صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنَّ الإحجامَ عن الدعوةِ إليه يجعلُه من المشركين: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (من 87 القصص). فما كان من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إلا أن ألزمَ نفسَه بالدعوةِ إلى اللهِ تعالى، وإلى الحدِّ الذي جعلَه يعرِّفُ ما هو عليه من حالٍ مع اللهِ تعالى بما وردَ في الآيةِ الكريمة: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (من 108 يوسف).
ولقد حرصَ اللهُ تعالى على تبيانِ ما للدعوةِ إليه من عظيمِ تغلغلٍ في صميمِ علاقةِ النبي صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم به: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( (من 67 المائدة). فالنبيُّ لا يملكُ غيرَ أن يدعوَ الناسَ إلى الله، أما وأن اللهَ قد اصطفاه ليحملَ أمانةَ رسالتِه إليهم: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (من 82 النحل)، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ( (من 48 الشورى).
وأمرُ اللهِ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يدعوَ الناسَ إليه قد وردَ في القرآنِ العظيم بصياغاتٍ تعدَّدت في المبنى وإن تماهت وتطابقت في المعنى. فالدعوةُ إلى الله هي تبليغٌ للناس، وهي بعدُ تذكيرٌ لهم بما لا ينبغي أن يفوتَهم تبيُّنُه وإدراكُه:
1- (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ) (21- 24 الغاشية).
2- (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ( (من 45 القمر).
وإذا كانت الدعوةُ إلى سبيلِ الله، وتبليغُ القرآن والتذكيرُ به، هي بعضاً مما أجازَ اللهُ تعالى به رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فإنَّ حسابَ الناسِ بما جنته أيديهم لم يُجِز اللهُ تعالى به أحداً من خلقِه، إذ اختصَّ به نفسَه: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (من 40 الرعد).
ومن غرائبِ الأمورِ التي ليس بالعسيرِ على المتدبِّرِ الحصيفِ أن يلحظَها ويتبيَّنَها، أنَّ كثيراً من الناس من الذين لم يتديَّنوا التديُّنَ الحق بِدينِ اللهِ الحق، يُعرِضون عن دعوةِ الناسِ إلى الله، وقد أُمِروا بها، بينما ينصِّبون أنفسَهم أوصياءَ على دينِ الله يحاكمون الناسَ على إيمانِهم وتديُّنِهم وحالِهم مع اللهِ تعالى، وهو ما لم يُؤمَروا به! فهل بعد هذا من ضلال؟

أضف تعليق