
الإنسانُ كائنٌ يُخطئُ كلُّ مَن يحسبُ أنَّ بالإمكانِ إخضاعَ أنماطِ أفعالِه وردودِ أفعالِه إلى قوانينَ ومحدِّداتٍ يعجزُ عن المخالفةِ عن أمرِها. فالإنسانُ شيء والمعرفةُ بالإنسان شيءٌ آخر لا تماهيَ بينهما إلا فيما ندر. فـ “التفكيرُ السِّحريُّ” مثلاً لا يمثِّلُ مرحلةً تطوريةً كان لابد للإنسانِ من أن يمرَّ بها عقلُه، وهو يتدرَّجُ في مدارجِ الترقِّي من الخرافةِ إلى الدين، وذلك كما يتوهمُ علمُ الاجتماعِ الديني. فـ “التفكيرُ السحري” يلازمُ الإنسانَ ويأبى أن يفارقَه وإن قضى العِلمُ على الإنسانِ بوجوبِ أن يتوقفَ عن هذا النمطِ من التفكير أما وأنَّه قد اجتازَ تلك المرحلة حتى وصلَ إلى ما هو عليه الآن من “تفكيرٍ عِلمي” لا ينبغي أن يشاركَه الأحقيةَ في تملُّكِ العقلِ البشري شيءٌ آخرَ على الإطلاق.
وهنا يبرهنُ العِلمُ مرةً أخرى على عجزِه عن صياغةِ تصورٍ للعقلِ البشري يشخِّصُ هويتَه على ما هو عليه حقاً، وليس كما ينبغي أن يكونَ عليه وفقاً لما تقضي به نظرياتُه وافتراضاتُ رجالِه. فمازال الإنسانُ منا، ونحن في الربعِ الأول من القرن الحادي والعشرين، يجنحُ صوبَ “التفكيرِ السحري” كلما عنَّ له أن يتعاملَ مع المحيطِ الخارجي، وذلك حين تغيبُ سطوةُ العِلم وتعجزُ تقنياتُه عن مدِّ يَدِ العون لتنتشلَ واحدَنا من ارتباكِه أو حيرتِه أو تخبُّطِه بين إحجامٍ وإقدام. ومن أكثرِ تجلياتِ “التفكيرِ السحري” تسلُّطاً على الإنسان، معاصراً كان أم ضارباً بجذورِه في الماضي العتيق، هذا اليقينُ الملازمُ له بأنَّ قوانينَ الوجودِ حقيقةٌ هو بمنأى عن أن تطالَه يدُها؛ فما يسري على غيرِه ليس بالضرورةِ أن يسريَ عليه، كيف لا وهو الشخصُ الاستثنائيُّ الفريد الذي قلَّما يجودُ الزمانُ بمثلِه؟!
خلاصةُ القول، إنَّ الإنسانَ الذي توهَّمَ العِلمُ أنَّه قد قطعَ مع ماضيه السِّحري قطيعتَه مع ماضيه الديني، فلا مجالَ له لكي يعودَ من جديد ليتشبَّثَ بتلابيبِ السِّحر أو يتمسَّحَ بعباءةِ الدين، هو إنسانٌ اصطنعه العِلمُ من مادةِ نظرياتِه وطينِ افتراضاتِه، وهو لذلك ليس الإنسانَ كما نعرفُه! فلا يزالُ الإنسانُ يمارسُ “التفكيرَ السِّحري” وإن كان يقومُ بتدريسِ فيزياءِ الجسيماتِ الأولية في أرقى جامعاتِ العالَم، ولا يزالُ الإنسانُ يبحثُ عن “تفسيرٍ ديني” لمعنى حياتِه، ومعنى وجودِه، وإن كان يصنعُ مركبةً فضائية يريدُ أن يغزوَ المريخَ بها!
