
لا يملكُ المتدبرُ في أبديةِ عذابِ الكفار والمنافقين يومَ القيامة غيرَ أن يتساءلَ عما كان عليه حالُ واحدِهم مع الله في حياتِه الدنيا. فما الذي كان يعمرُ قلوبَ الكفارِ والمنافقين في دنياهم حتى كتبَ اللهُ عليهم الخلودَ في نارِ جهنمَ أبدَ الآبدين؟
يكتسبُ هذا السؤالُ أبعاداً ميتافيزيقيةً، لا مناصَ له منها، إذا ما تذكرنا أنَّ مدةَ حياةِ الإنسانِ في هذه الدنيا لا تمثِّلُ شيئاً ذا بال بالمقارنةِ مع أبديةِ الحياةِ يومَ القيامة. فكيف يستقيمُ إذاً أن يُعاقَبَ الكافرُ والمنافقُ على ما جنته يداه في حياتِه الدنيا عقوبةً تمتدُّ أحقاباً من الزمانِ ليس بالإمكانِ إحصاؤها؟ ألا تُلزِمُنا إجابةُ الدين على هذا التساؤلِ بأن نخلُصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ ما في قلوبِ الكفارِ والمنافقين من كامنِ الشرِّ ما كان ليجعلَهم لا يصدرُ عنهم من قولٍ أو عمل إلا ما يتناسبُ ويتجانسُ مع هذا الشر، وإن رُدُّوا يومَ القيامةِ ليعيشوا الدنيا من جديد ألفَ ألفَ مرة؟ (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (27- 28 الأنعام).
فأبديةُ عذابِ الكفارِ والمنافقين يومَ القيامة تُوجِبُ علينا إذاً أن نُقِرَّ باستحالةِ أن يكونَ بمقدورِنا أن نقدِرَ ما في قلوبِ هؤلاءِ وأولئك من شرٍّ لانهائي. ويشهدُ بصحةِ ما خلصنا إليه أن نتدبَّرَ تاريخَ الإنسانيةِ على هذه الأرض تدبراً يتسامى على فرديةِ هذا الإنسانِ أو ذاك، وبالمعنى الذي يجعلُنا ننظرُ إلى الشرورِ التي ارتكبتها الإنسانيةُ على أنها من فعلِ إنسانٍ واحد تجلَّى بآلافِ الملايين من الشخصياتِ التي أسهمت كلُّها جميعاً في وصولِ كوكبِ الأرض إلى حالِه البائسِ الذي هو عليه الآن، وبوصولِنا نحن قاطنو هذا الكوكب إلى حضارةٍ لا تُقِرُّ بأنها أقامت صرحها على تلالٍ من الدماءِ والأشلاء.
