الأصلُ اللاهوتي لمصطلحِ “الخيانةِ الزوجية” في الغرب

لا يدركُ كثيرٌ من أهلِ الغرب أنَّ معظمَ ما هم عليه من الأحوال، وما يكمنُ وراءها من أفعالٍ وردودِ أفعال، إنما يعودُ في الأصلِ إلى ما جاءهم به لاهوتُ الشرق الذي إن كان قد صاغَ النظامَ التعبدي لأسلافِهم الأقدمين، فإنه لم يدَّخر وسعاً للتأثيرِ في حياتِهم اليوم وإن فاتهم تبيُّنَ هويتِه وتشخيصِه بحقيقتِه يوم جاء أولئك الأسلافَ أول مرة. فالتأثيرُ الذي أحدثه لاهوتُ الشرق في حياةِ أسلافِ أهلِ الغربِ المعاصرين امتد ليطالَ كلَّ منحى من مناحي حياتِهم سلوكاً ومسلكاً وثقافةً وأدباً وموسيقى. ولا يحتاجُ الأمرُ من الباحثِ المتمرسِ الحصيف غير أن يتعمقَ في استقصاءِ أحوالِ أهلِ الغربِ المعاصرين وصولاً إلى الجذورِ الأولى حتى يتبيَّنَ مدى التأثيرِ الذي أحدثَه لاهوتُ الشرق في الحياةِ الغربيةِ المعاصرة. فلولا الموسيقى الكنسية في القرونِ الوسطى ما كان للموسيقى الغربيةِ المعاصرة، بكافةِ تجلياتِها وأنماطِها، أن ترى النور.
وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه باستقصاءِ ما أحدثته “عقيدةُ التثليث” في فلسفاتِ الغرب، معاصرِها وغابرِها، من صياغةٍ لهيكليَّتِها المعرفية، وبالشكلِ الذي لا نزال نرى تأثيراتِه في كلِّ نظامٍ فكري خُيِّلَ لناظمِه من أهلِ الغرب أنه إنما يصف حقيقةَ الوجود وحقيقةَ دورِ الإنسانِ فيه. وما نظرياتُ الفيزياءِ المعاصرة إلا ساحةٌ أخرى من سوحِ تجلِّي “عقيدةِ التثليث” هذه.
وإذا كان للاهوتِ الشرق كلُّ هذا التأثير في أهلِ الغرب، معاصرين وأقدمين، فلماذا لا يكونُ لكثيرٍ من المصطلحاتِ الغربية أصولٌ ضاربةٌ في القِدَم تعود إلى تلك المرحلةِ الفارقةِ من تاريخِ الغرب التي اضطرَّ فيها إلى تقبُّلِ ما تضمَّنه هذا اللاهوت من أحكامٍ وأخلاقٍ وقِيَمٍ موصولةٍ بما اشتمل عليه العهدُ القديم وشدَّد عليه وطوَّره العهدُ الجديد؟
ولنأخذ مثالاً على ذلك مصطلح “الخيانة الزوجية” والذي بالإمكانِ استقصاءُ أصلِه إلى ما وردَ بشأن الحيودِ عن العلاقةِ الزوجية الشرعية في العهدِ القديم، وما أثبته ونماه وشدَّد عليه ما جاء بشأنِه في العهدِ الجديد. فما “الخيانةُ الزوجية”، التي هي مصطلحٌ غربيٌّ بامتياز، إلا أثرٌ “تخلَّف” من بعد زوالِ المؤثرِ اللاهوتي جراء التغييراتِ التي أحدثتها رياحُ عصرِ التنوير وما أعقبه من ثوراتٍ جردت، وبالتدريج، العلاقةَ الزوجيةَ من أيِّ تأثيرٍ كان يمارسُه يوماً لاهوتُ الشرق المستغرب عليه. فإذا كان العهدُ القديم قد جرَّمَ الحيودَ عن العلاقةِ الزوجيةِ الشرعية بما وردَ في وصايا الرب لموسى: “لا تزنِ”، فإنَّ العهدَ الجديد قد شدَّدَ على هذا التجريم بكلِّ ما من شأنِه أن يؤثِمَ الخارجَ على هذه العلاقةِ أشدَّ التأثيم، وذلك بما نصُّه: “مَن نظرَ إلى امرأةِ جارِه بعينِ اشتهاءٍ فقد زنى في قلبِه”.
فـ “الخيانةُ الزوجيةُ” إذاً، ومن بعد أن تمَّ إقصاءُ اللاهوتِ الكنسي من المعادلة، هي ما كانت يوماً الحيودَ عن الصيغةِ الوحيدة للعلاقةِ الزوجيةِ الشرعية في عينِ الرب. فما كان بالأمسِ خيانةً للعهدِ بين العبدِ والرب، أصبح فيما بعد خيانةً للعهدِ بين الرجلِ والمرأة اللذين ارتبطا بميثاقِ الزواج. ولقد نجم عن هذه الثورةِ في تغييرِ الجهةِ المحاسبة على الحيودِ عن العلاقةِ الزوجيةِ الشرعية، أن أصبح “للخيانةِ الزوجية” من التأثيرِ السلبي على سمعةِ الفرد ما كان يوماً موصولاً بسمعتِه الدينية.
ولأننا بشرٌ جُبِلنا على أن ننسى التاريخ، وما كانت عليه أحوالُنا في غابرِ الأزمان، فلقد أصبح من المتعذَّرِ على أهلِ الغرب اليوم أن يتبيَّنوا أنَّ هذا النفورَ من الحيودِ عن العلاقةِ الزوجيةِ الشرعية لا يعود في أصلِه إلى خيانةِ العهودِ والمواثيق بين الرجل وزوجته، ولكنه يعود إلى جذورٍ لاهوتيةٍ كنسية فعلت في أسلافِهم ما فعلت من تخويفٍ وتجريمٍ وإدانةٍ وتأثيم تركا آثاراً في بُنيتِهم القِيَمية- الأخلاقية من حيث لا يشعرون.

أضف تعليق