في دحضِ وتفنيدِ القولِ بـ “غائيةِ التاريخ”

ما اتفقَ المؤرخون على مقولةٍ اتفاقَهم على أنَّ للتاريخِ غايةً لن يألوَ بذلَ أيِّ جهدٍ لتحقيقِها. فـ “غائيةُ التاريخ” نالت من المؤرخين إجماعاً، سواءٌ منهم مَن جهرَ بها بالتصريح أو مَن أضمرها واكتفى بالتلميح. فهل للتاريخِ إذاً غائيةٌ طالما كان حظَّها من المؤرخين كلُّ هذا الإجماع؟ وهل تمثِّلُ غائيةُ التاريخ مظهراً من مظاهرِ خضوعِ البشريةِ لقوانينَ كونية وسنناً لا تملكُ الجماعةُ الإنسانيةُ المخالفةَ عن أمرِها؟ وكيف يستقيمُ ذلك مع ما ثبتَ لدينا من أنَّ العقلَ خصيصةٌ اختُصَّ بها الإنسانُ ككيانٍ مادي توجَّبَ على غيرِه من الكياناتِ غيرِ المادية أن تُحرَمَ منها؟ وهل في الأمرِ عودةٌ إلى ما كان يزعمُ به الفيلسوف هيغل من أنَّ للتاريخِ روحاً تسيِّرُه صوبَ غايتِها شاءت وقائعُه أم أبت؟ وما دورُ إرادةِ الإنسانِ الحرة في ذلك؟
أسئلةٌ يكفينا لنحصلَ على إجاباتٍ وافيةٍ عنها أن نستذكرَ الحقيقةَ التي مفادها أنَّ ما من أمةٍ إلا وزعمت أنَّ للتاريخِ غايةً تندفعُ بها صوبَ كلِّ ما فيه ما يكفلُ لها الوصولَ إلى تحقيقِ سيادتِها المطلقة على غيرِها من الأمم؛ سيادةً أبديةً لن يقفَ في وجهِها ما يحولُ دون تحقُّقِها. فكيف يُعقَلُ أن تتشظى غايةُ التاريخ لتصبح غاياتٍ تتعددُ بتعدُّدِ الأمم، بل بتعدُّدِ الأفرادِ أنفسِهم، حين يبلغُ افتتانُ الواحدِ منهم بنفسِه حدَّ الظنِّ بأنَّ التاريخَ وأحداثَه تدور من حولِه متناسياً أنَّ هناك ملياراتٍ من البشرِ غيره يشاطرونه ذاتَ الظنِّ الواهم؟!

أضف تعليق