متى فرضَ اللهُ تعالى على الناسِ حجَّ البيتِ أولَ مرة؟

فرضَ اللهُ تعالى على الناسِ حِجَّ بيتِه الحرام لكلِّ مَن استطاعَ منهم إليه سبيلا: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (من 97 آل عمران). فمتى فرضَ اللهُ تعالى على الناسِ حجَّ البيتِ أولَ مرة؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقائقَ القرآنيةَ التالية:
1- إنَّ أولَ بيتٍ للهِ تعالى وضعه للناس ليجتمعوا عنده هو الذي وصفَه قولُه تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (96 آل عِمران). وكان ذلك في زمانِ أبي البشر آدم، وفي بكةَ التي عُرِفت فيما بعد بـ “مكة”. غير أن اجتماعَ الناسِ عند بيتِ اللهِ الحرام، الذي كان ببكة، لم يكن حجاً بالمعنى الذي أصبح توافدُ الناسِ إلى مكةَ يُعرَفُ به فيما بعد. فالحجُّ لا يُعرَّفُ إلا بما اشتملَ عليه من أركانٍ تُميِّزُه عن غيرِه من أفعالِ التوافدِ بِنيةِ التجمُّعِ والاجتماع. وهذا ما لم يتحقق إلا من بعد أن أسكنَ النبيُّ إبراهيم من ذريتِه في وادي مكةَ استجابةً منه لأمرِ اللهِ تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (37 إبراهيم).
2- وأركانُ الحجِّ شرعت في التتابُعِ حدثاً تلو الآخر منذ أن خلَّفَ النبيُّ إبراهيم وراءه زوجَه هاجر وولدَه اسماعيل في وادي مكة. وقد اكتملت هذه الأركانُ من بعد أن أذنَ اللهُ تعالى لماءِ زمزمَ بالتفجُّرِ والتدفُّقِ ترويةً وسُقيا لهما.
3- ولذلك فلم يكن لحجِّ بيتِ اللهِ الحرام قبلَ النبي إبراهيم وأهلِ بيتِه من وجود، ومصداقُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق) (26- 27 الحج).
4- لقد كرَّمَ اللهُ تعالى النبيَّ إبراهيم أفضلَ تكريم، إذ لولاه ما كنا لنُسمَّى “مسلمين”: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (من 78 الحج). ولولاه ما كان الحجُّ ليصبحَ بأركانِه التي خطَّتها في صخرِ الزمانِ زوجُه هاجر وابنُه اسماعيل.
ولقد كرَّمَ اللهُ تعالى خليلَه إبراهيم إذ خلَّد قصةَ زوجِه هاجر وابنه اسماعيل، فجعلَها قوامَ الحجِّ وأركانَه، وعَدَّ هذه القصةَ بتفاصيلِها من شعائرِه تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (158 البقرة). ولعل ما تقدَّم أن يُلقِيَ ضوءاً يُعينُ على تبيُّنِ المعنى الذي تنطوي عليه الآياتُ الكريمةُ التالية:
1- (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (125 النساء).
2- (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (161 الأنعام).
3- (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (123 النحل).
4- (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (95 الأنعام).

أضف تعليق