مَن بنى الكعبةَ أولَ مرة؟

لا يملكُ مَن يتدبَّرُ ما وردَ بشأنِ بيتِ اللهِ الحرام في القرآنِ العظيم غيرَ أن يخرجَ بنتيجةٍ مفادها أنَّه كان أولَ بيتٍ وضعَه اللهُ للناسِ ليكونَ لهم ملتقىً تعبدياً يتعبدون له تعالى عنده: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) (من 96 آل عمران). كما لابد وأن يخلصَ متدبرُ القرآنِ إلى أنَّ اللهَ تعالى قد بوَّأَ لسيدِنا إبراهيم مكانَ هذا البيتِ من بعد أن اندرسَ أثرُه بتقادمِ الأزمان، وبإعراضِ الناسِ عنه من بعد اتخاذِهم مع اللهِ تعالى آلهةً أخرى اكتفوا بها عن عبادتِه، وأحجموا بالتالي عن زيارةِ بيتِه العتيق: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (26 الحج).
فالكعبةُ المشرفةُ كانت إذاً أولَ بيتٍ تعيَّن على الناسِ أن يجتمعوا ليتعبدوا اللهَ تعالى عنده. فإذا كان سيدُنا إبراهيم هو مَن أعادَ بناءَ الكعبةِ من بعدِ أن دلَّه اللهُ تعالى على مكانِها العتيق، فمن الذي بناها أولَ مرة؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ أولَ إنسانٍ خلقَه اللهُ تعالى هو آدمُ الذي علَّمه ما يتوجبُ على مَن يشاءُ من ذريتِه أن يكونَ من السعداءِ الفائزين في الدنيا والآخرة أن يفعلَه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (37- 39 البقرة).
فاللهُ تعالى إذاً هو مَن علَّمَ آدمَ الكيفيةَ التي يتوجبُ عليه وعلى ذريتِه أن يتعبدوه بها، ومن ذلك تجمُّعهم لعبادتِه عند أولِ بيتٍ وضعَه للناس. وهنا لابد من الإشارةِ إلى أنَّ البيتَ الذي بناه أبو البشرِ آدم كان في مكانٍ سماه اللهُ في قرآنِه العظيم “بكة”: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ). و”بكةُ” هذه هي ذاتُها “مكةُ” التي أصبحت تُعرَفُ بهذا الإسم لاحقاً: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (من 24 الفتح).

أضف تعليق