
لم تشهد أمةٌ كلَّ هذا الهوس بإقصاءِ أبنائها عن التمسُّكِ بتراثِهم مثلما شهدته أمتُنا. ومشروعُ الإقصاءِ هذا قد انبرت لتنفيذِ أجندتِه أطيافٌ من مفكرين شتى؛ إن هم اختلفوا في مناهجِهم الفكرية، ومقارباتِهم المعرفية لتراثِ أمتِنا، فإنهم قد اتفقوا، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، على الكيدِ لهذا التراث بحججٍ وذرائعَ بالإمكانِ إجمالُها في إزاحتِنا بعيداً عنه. فإذا كان الغربُ قد تمدَّن وتحضَّر حتى سادَ العالمَ بعلومِه وتقنياتِه ومناهجِ تفكيرِه بالإعراضِ عن تراثِه، بالتمامِ والكلية، فإنَّ ما صلح به حالُه هو ما ينبغي أن يصلحَ به حالُنا، وإن اقتضى الأمرُ منا أن نحذوَ حذوَهم فنعمدَ إلى إيكالِ تراثِنا إلى أقسامٍ جامعية ومراكزَ ثقافية تُعنى به وبنشرِ ما تراه صالحاً منه لعصرِنا. فلا وقتَ لدينا لنبدِّدَه، كما يرى هؤلاء، في حراسةِ هذا التراث والذودِ عنه وجعلِه بعيداً عن متناولِ مناهجِ التحليلِ المعرفي المعاصر التي وحدها مَن بمقدورِه أن يفكِّكَ خطاباتِه ويُظهِرَ ما استترَ فيه من معانٍ توارت عن أنظارِنا وأفهامِنا. ونحن إن استجبنا لهذه الدعاوى، فلن يطولَ بنا الأمرُ حتى نصبحَ مضطرين إلى تقديمِ مزيدٍ من التنازلات لينتهيَ بنا الأمرُ بعدها وقد تنازلنا عما كنا بالأمسِ القريب نعدُّه مقدساً لن ندعَ مخلوقاً يمسُّه!
إن الزمانَ متغيرٌ بطبعِه، وهذه حقيقةٌ لا يجادلُ فيها إلا مَن لم يدركها بعد. ولأنَّ ذلك كذلك، فلا مناصَ لنا إذاً من أن نعقدَ صفقةً مع الزمانِ نوافقُ بموجبِها على أن نُعمِلَ مناهجَ العصرِ، وأدواتِ تحليلِه المعرفي، في ذلك الجانبِ من تراثِنا الذي أبدعته عقولُ أسلافِنا من فقهاءَ ومفكرين، وفلاسفةٍ ومتكلمين، وسواهم من المجتهدين والباحثين، على أن نُبقِيَ من تراثِنا على المقدسِ الإلهي والمقدسِ النبوي بمنأى عن كلِّ محاولةٍ للتعرُّضِ له بمناهجِ العصرِ وأدواتِ تحليلِه المعرفي.
