في معنى “لِتَعَارَفُوا” في قولِ اللهِ تعالى “إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”

حدَّدت الآيةُ الكريمةُ 13 من سورةِ الحجرات معيارَ التفاضلِ بين البشر فجعلته قائماً على أساسٍ من تقوى الله، وبما يجعلُ أكرمَ الناسِ عند اللهِ أتقاهم له: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير).
ومعيارُ التفاضلِ هذا هو السبيلُ الوحيد لإقامةِ مجتمعٍ إنساني عالمي لا يتفاضلُ فيه البشرُ وفقاً لألوانِهم وأعراقِهم وأجناسِهم ومستواهم الاجتماعي وانحدارِهم الطبقي. وجاء تفصيلُ هذا المعيار مباشرةً بعد أن أبان اللهُ تعالى للناسِ عن خطتِه الخَلقية يومَ خلقَ الناسَ من ذكرٍ وأنثى، هما آدمُ وزوجُه، وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء جعلهم شعوباً وقبائل “ليتعارفوا”، أي “ليعاملَ بعضُهم بعضاً بالمعروف”، أي بالتي هي أحسن. وهذه مقاربةٌ تفسيريةٌ لا تتطابقُ مع سابقاتِها من المقارباتِ التفسيرية التي جعلت لكلمةِ “لتعارفوا” معانيَ بالإمكانِ إجمالُها كما يلي: “ليعرفَ بعضُكم بعضاً في النسب”، “ليعرفَ بعضُكم بعضاً في قربِ القرابة منه وبُعدها لا لفضيلةٍ لكم في ذلك”، “ليحصلَ التعارفَ بينهم كل يرجع إلى قبيلتِه، كما يقال فلان بن فلان من قبيلة كذا وكذا”.
أين هذا كله من أمرِ اللهِ تعالى للذين آمنوا بأن يلزموا “المعروف” فلا يفارقوه منهاجاً سلوكياً يتوجبُ عليهم أن يحرصوا الحرصَ كلَّه حتى لا يحيدوا عنه ما استطاعوا، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ بعضٍ من المواطنِ القرآنيةِ التي تبيِّنُ ذلك:
1- (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (104 آل عِمران).
2- (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (من 110 آل عِمران).
3- (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) (من 263 البقرة).

أضف تعليق