
لن ينجمَ عن بقاءِ الحالِ على ما هو عليه في مقاربةِ العقلِ البشري لظواهرِ التاريخ إلا مزيدٌ من الابتعادِ عن تبيُّنِ ما حدثَ حقاً وحقيقة. فالعقلُ البشري لا يجدُ أيَّ غضاضةٍ في تفكيكِ الظاهرةِ التاريخية التي يرومُ دراستَها من دونِ أن يأخذَ بِعينِ الاعتبار أنَّ الحقيقةَ لا تُجتزَأ، وأنَّ الاكتفاءَ بأحدِ أوجهِها لن ينتهيَ بنا إلا إلى إكمالِ الأوجهِ الناقصةِ الأخرى من افتراضاتِنا وتخيلاتِنا التي لا يمكنُ لها أن تُغنيَ عن تلك الأوجهِ التي غامرنا باجتزائها وإقصائها. ومن ذلك، دراستُنا للظاهرةِ التاريخية بعيداً عن سياقِها الديني؛ ذلك السياقُ الذي لا يمكنُ إغفالُه أما وأنَّ الإنسانَ كائنٌ متدينٌ قبل أن يكونَ أيَّ شيءٍ آخر، وذلك بحكمِ تنشأتِه الأسرية التي تسبقُ بالضرورة التأثيراتِ المجتمعية.
فالشجرةُ التي أكلَ منها آدم وزوجُه لم تكن يوماً شجرةَ تفاح، كما وقرَ لدينا جراء التراكماتِ التاريخية وتواترِ السردياتِ ذاتِ الصلة. فالاحتكامُ إلى المقاربةِ الدينيةِ المقارِنة، وعدم إغفالِ التأثيلاتِ اللغوية اللازمة، هو السبيلُ الذي يكفلُ لنا أن نتوغلَ عميقاً في طبقاتِ التطورِ الدلالي لكلمةِ “سدرة” كما تُنطَق في بعضِ اللغاتِ الأوروبية، وصولاً إلى جذرِها العربي الموغلِ في القِدَم والذي كان يحملُ حمولةً دلالية هي غيرُ تلك التي نظن. فالسدرةُ عند قدامى العرب هي شجرةُ النبق وليست شجرةَ التفاح.
وشجرةُ عيدِ الميلاد التي وقرَ لدينا أنها شجرةُ صنوبر، هي في حقيقتِها شجرةٌ أخرى هي النخلةُ التي ألجأ اللهُ تعالى السيدةَ مريم إلى جذعِها تمهيداً لولادةِ ابنِها المسيح عليه السلام: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) (من 26 مريم).
