لماذا فقدت الكنيسةُ في أوروبا سلطتَها لصالحِ الدولة؟

هل كانت كنيسةُ روما محقةً في تحريمِها وتجريمِها لكلِّ مَن يشتغلُ بالعِلم؟ سؤالٌ ليس من اليسيرِ الإجابةُ عليه، وما ذلك إلا لأن الأمرَ يقتضي منا توسعاً في استقصاءِ الدوافعِ الخفية من وراءِ تلك العداوةِ التي طبعت تاريخَ العلاقةِ بين كنيسةِ روما والمشتغلين بالعِلم طوالَ قرونٍ عدة. صحيحٌ أنَّ تحريمَ الاشتغالِ بالعِلم قد صدرَ عن كنيسةِ روما بسببٍ مما اعتبرته تعارضاً صارخاً بين ما يقومُ عليه العِلم وما يقومُ عليه الإيمانُ الكنَسي الروماني، إلا أنَّ هذه الحقيقةَ لم تكن خالصةً من عواملَ أخرى لعل أبرزَها تخوفُ رجالِ كنيسةِ روما من أن يؤديَ الاشتغالُ بالعِلم إلى فقدانِهم السلطة الروحية على الرعية.
ولكن، ألم تثبت الوقائعُ والأحداث صوابَ ذلك التخوف؟ ألم ينتهِ الاشتغالُ بالعِلم في نهايةِ المطاف إلى جعلِ المشتغلين به يمتلكون مفاتيحَ التحكمِ بالمجتمع وبالدولة؟ ألم تخسر كنيسةُ روما، وباقي كنائس أوروبا، سلطتَها الروحية على الرعية بعدما أثبت العِلم قدرتَه على إحداثِ تغييرٍ جوهري في موازينِ القوى لصالحِ الدولة؟ وهل كانت الاستكشافاتُ الجغرافية، والتي جعلت ثرواتِ العالَمِ الجديد تنهال على أوروبا، لتنطلق لولا ما جاء به العِلمُ من أدواتٍ ملاحيةٍ جديدة؟ وكيف نعجبُ لفقدانِ الكنيسةِ في أوروبا سلطتها لصالحِ الدولة مع كلِّ ما أحدثَه العِلم، بمكتشفاتِه واختراعاتِه، من تغيُّراتٍ بُنيوية غيَّرت قواعدَ اللعبة ويسَّرت ظهورَ قوى جديدة داخل المجتمع لم تملك الكنائسُ الأوروبية خياراً آخر غيرَ أن تسايرَها وتداهنَها أولَ الأمر، وتخضعَ لسطوتِها وسلطانِها خاتمتَه؟
إنَّ النقلةَ النوعية التي أحدثَها الاشتغالُ بالعلم في أوروبا، بُعيد القرونِ الوسطى، كانت هي الدفعة اللازمة لانتقال أوروبا من مجتمعاتٍ تخضعُ لسلطةِ الكنيسة إلى مجتمعاتٍ اتخذت لها سلطاناً جديداً أخضعها لسطوتِه التي ما كان ليحوزَها لولا العِلم.

أضف تعليق