
ليست كلُّ الفروقاتِ بين المرأةِ والرجل واجبةَ الردِّ إلى ما يتمايزُ به واحدُهما عن الآخر في الجنس. فكثيرٌ من هذه الفروقات مردُّها التنشأةُ الأسريةُ والتهيأةُ المجتمعية والتربيةُ الفكرية والثقافية، والتي تكادُ تكونُ متشابهةً، في الغالبِ الأعم، ما تعلَّقَ الأمرُ بالمرأة، عند شعوبِ الأرضِ كلِّها جميعاً بغضِّ النظرِ عن الزمانِ والمكان والعِرقِ والدين. فلكي نفهمَ المرأةَ، ونقدِرَها حقَّ قدرِها، لابد لنا من أن نُحسِنَ قراءةَ أمثالِها من المستضعفين الذين لم ترَ فيهم النخبةُ المختارة من الرجال، وذوي البشرةِ البيضاء، والأغنياء، إلا مشاريعَ للاستغلالِ والاستعباد والإقصاءِ والإبعاد. فالمرأةُ كما وصفتها الكاتبةُ الفرنسية سيمون دي بفوار “لا تولد امرأة ولكنها تصبحُ امرأة”، وذلك في إشارةٍ منها إلى دورِ التربيةِ الأسرية والتنشأةِ المجتمعية والتهيأةِ الثقافية والفكرية في صياغةِ شخصيتِها.
على أنَّ ذلك كلَّه لا ينبغي أن يُنسِيَنا حقيقةً من حقائقِ التمايزِ الفسيولوجي بين الرجلِ والمرأة، والتي لابد من أن تؤخذَ بنظرِ الاعتبار إذا أردنا أن نفهمَ المرأةَ الفهمَ الصائبَ الصحيح. فعجزُ المرأةِ الخَلقي عن مضاهاةِ الرجل قوةً بدنيةً، ومنَعةً وجلَداً، لا ينبغي أن يقودَنا إلى الاعتقادِ الواهمِ أنَّ بالإمكانِ أن نُعلِّلَ لعدمِ قدرةِ المرأة على مضارعةِ الرجل في بطشِه وجبروتِه وشغفِه بالاقتتال وتولُّعِه بالإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء بالرجوعِ إلى شيءٍ آخر غيرِ هذا العجز الخَلقي! فالمرأةُ لا تقلُّ بشريةً عن الرجل، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما يجعلُ الإنسانَ بشراً اختار الخروجَ على الطبيعة والتمرُّدَ عليها والمخالفةَ عن أوامرِها وتعدِّي حدودِها. فإذا كان الإنسانُ يتمايزُ عن الحيوان بعدوانيةٍ مفرطة، وبقدرةٍ فائقةٍ على الإخلالِ بالانضباطِ والتوازن في كلِّ ما يحيطُ به، فإنَّ هذا لا يجعلُ الرجلَ أكثرَ “رغبةً” في التمرُّدِ على الطبيعة والخروجِ على قوانينِها من المرأة! فكلُّ ما ينقصُ المرأةَ حتى تكونَ كالرجل في علاقتِه بالطبيعةِ وببني جِلدتِه من البشر هو تلك القدرةُ البدنية وكَمُّ الفرَص الذهبية التي لا تنفك تنهالُ على الرجل لا لشيءٍ إلا لكونِه قد وُلِد رجلاً. والتاريخ يشهد أنَّ المرأةَ إذا ما تيسَّرَ لها أن تصبحَ ذات سلطة فلن تكونَ بأقلِّ قدرةٍ على الإفسادِ في الأرض من الرجل. وتكفينا مراجعةٌ عاجلة لواقعِنا ولتاريخِنا حتى يتبيَّنَ لنا صوابُ ذلك.
لقد حان الوقت لنعملَ على تصحيحِ منظورِنا إلى المرأةِ والرجل، وذلك بألا ننسى أن كلاهما وجهان لكائنٍ واحد؛ فلا فرقَ جوهرياً هناك بين الرجلِ والمرأة ما تعلَّقَ الأمرُ ببشريتِهما القائمة على أساسٍ مما ابتُلِيَ به كلٌّ منهما من نفسٍ هي ذاتُها عند كلِّ واحدٍ منهما.
