كيف بمقدورِ الإنسانِ الذي خُلِقَ ضعيفاً أن يصبحَ إنساناً كاملاً؟

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ خِلقةً استثنائيةً فريدة تمايزَ بها عن غيرِه من المخلوقاتِ التي شاركته النشأةَ الأولى، والأصلَ الأول، والذي عرَّفنا به القرآنُ العظيم في الآيةِ الكريمة (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (من 30 الأنبياء).
وهذا الأصلُ المشترك لم يكن هو العاملَ الوحيد الذي يجمعُ بين الإنسانِ وسواه من المخلوقات التي تشاركُه ذات التجلِّي من تجلياتِ الحياة، وذلك بالمقارنة مع الجن، على سبيلِ المثال، الذين وإن كانوا كائناتٍ حية، فإنَّ حياتَهم لا تشابُهَ بين كيفيتِها والكيفيةِ التي تتجلى بها حياةُ الإنسان وأمثالِه من المخلوقاتِ المشارِكة له في الأصلِ الخَلقي. فالعيشُ في ظلِّ ذاتِ القوانينِ الطبيعية حتم على البشر وأمثالِهم من الكائنات المشارِكة لهم في “الأصلِ الخَلقي” أن تتماثلَ بُنيتُهم البايولوجية وأفعالُهم الفسيولوجية إلى حدٍّ كبير. غير أنَّ الإنسان، وعلى الرغمِ من ماضيه التطوري الموغِلِ في القِدَم، قد شرعَ، وفي مفصلٍ تطوري من مفاصلِ رحلتِه صوب التشكُّلِ النهائي، بإظهارِ أفعالٍ، وردودِ أفعال، لا علاقة لها من قريبٍ أو بعيد بما كان عليه الحال قبل هذا المفصلِ التطوري. فالإنسانُ، ومن بعد أن أكلَ أبواه من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها، لم يعد ذلك الكائنَ المتناغمَ مع الطبيعة والمتفاعلَ مع مكوِّناتِها تفاعلاً محسوباً بِدقة. فلقد عمدَ الإنسانُ إلى التصرفِ بعدوانيةٍ مفرطة، وبدت عليه آثارُ التدني المناعي مما جعلَه عرضةً لأمراضٍ لم يسبق وأن عانى حيوانٌ منها من قبل، وبلغ به الخروجُ على الطبيعةِ وقوانينِها حدَّ الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء دون أيِّ مسوغاتٍ أو مبررات تجوِّزُ له فِعلَ ذلك. وبذلك فقد أصبح الإنسانُ ضعيفاً، من بعدِ قوة، جراء ما حدث له عند ذلك المفصل التطوري من مسيرتِه صوبَ قدَرِه الذي أوكلَ اللهُ تعالى إليه مسؤوليةَ كتابتِه، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر باختيارِه الطريق الذي سيتَّبعه في هذه الحياةِ الدنيا، وهو واحدٌ من طريقَين أحدُهما يكفلُ له النجاةَ من شقائه الدنيوي وعذابِه الأبدي شريطةَ اتِّباعِه هَدي الله، والآخر يُبقيه على ما هو عليه من شقاء، ويجعله يزدادُ شقاءً فوق هذا الشقاء حتى ينتهيَ به الأمرُ إلى الخلودِ يومَ القيامة في جهنمَ أبدَ الآبدين.
إنَّ اتِّباعَ هَدي الله هو السبيلُ الوحيد الذي يُمكِّنُ الإنسانَ من ألا يكونَ محكوماً بِقدَرِه الخَلقي: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء)، وذلك بأن يجعلَه أهلاً لأن يمدَّ اللهُ تعالى له يدَه بالعونِ والمدد فيرتقيَ به لما يُمكِّنُه، بإذنِه، من أن يكونَ مظهراً من مظاهرِ تجلِّي قدرةِ الله وآيةً من آياتِه الدالةِ عليه. ويكفينا أن نستذكرَ ما أصبح عليه، بإذنِ الله وحَولِه وقوتِه، بشرٌ خُلِقَ الواحدُ منهم ضعيفاً، بسببٍ من كونِه إنساناً، ولكنه استطاعَ بإتقانِ التعبُّدِ لله، وإخلاصِ عبوديتِه له بالامتثالِ لأوامرِه، أن يصبحَ إنساناً كاملاً مبرَّءاً من النقائصِ التي هي مظهرٌ من مظاهرِ الضعفِ الخَلقي للإنسان، وقادراً، لا بحولِه وقوتِه ولكن بحَولِ وقوةِ مَن لا حولَ ولا قوةَ إلا به، على أن يصبحَ أهلاً لأن يظهرَ بتواجدِه من عجيبِ الأحداثِ وغريبِها ما يعجزُ العلمُ عن تفسيرِه والتعليلِ له. وكفى بذلك دليلاً يهتدي به إلى الله مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد.

أضف تعليق