
من بين ما يتمايزُ به لسانُ القرآنِ العربي المبين عن اللسانِ العربي التقليدي تمنُّعُه عن الخضوعِ لكثيرٍ من الضوابطِ والمحدِّداتِ النحوية التي ظنَّ كثيرٌ من علماءِ اللسانيات العربية أنَّ اللسانَ القرآني يخضعُ بالضرورةِ لها. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على عجزِهم عن تبيُّنِ الحقيقةِ اللسانية التي مفادها أنَّ هذا الاستعصاءَ قد أوجبَه كونُ هذه المحدِّداتِ اللسانية قد صيغت من بعد الأخذِ بِعينِ الاعتبار نماذجَ تجشموا عناءَ البحثِ عنها فيما تأتَّى لهم الوقوعُ عليه من التراثِ العربي الشعري القديم وما جرى تداولُه على ألسنِ الناس فحُفِظَ بعضُه ونُسِيَ معظمُه. فكيف فات هؤلاء أنَّ شيوعَ هذه المحدِّداتِ اللسانية في كلامِ العرب لا يلزمُ عنه وجوبُ أن يلتزمَ بها لسانُ القرآنِ العربي المبين؟
وفي هذه المقالة سوف أتطرق إلى مثالَين اثنين يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرُهما أنَّ لسانَ القرآنِ العربي المبين قد خالفَ عن أمرِ هذه المحدِّدات ولم يتقيَّد بضوابطِها؛ المثالُ الأول هو كلمةُ “الحرام” التي وردت في القرآنِ العظيم صفةً لكلماتٍ بِعينِها حدَّدها اللهُ تعالى، ولذلك فلا يجوزُ والحالُ هذه أن نطلقَ لألسنتِنا العنانَ فنشرعَ في وصفِ غيرِ هذه الكلمات بهذه الصفة. فالكلماتُ التي وصفَها اللهُ تعالى بكلمةِ “الحرام” هي:
1- المسجد الحرام: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ( (من 144 البقرة).
2- الشهر الحرام: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ( (من 194 البقرة).
3- المشعر الحرام: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (من 198 البقرة).
4- البيت الحرام: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) (من 97 المائدة).
وكلمةُ “الحرام” هنا هي ليست ذاتَها كلمة “حرام” التي وردت في القرآنِ العظيم، وذلك من بعد أن نضيفَ إليها ألف لام التعريف. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا) (من 59 يونس).
2- (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) (من 116 النحل).
3- (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (95 الأنبياء).
وكلمة “حرام” القرآنية بالإمكانِ تعميمُ التوصيفِ بها، وذلك على الضدِّ من الكلمةِ القرآنية “الحرام”.
أما المثال الثاني، فيخصُّ الكلمةَ القرآنية “المحرَّم”، والتي وردت في القرآنِ الكريم مرةً واحدةً فحسب، وذلك في سياقِ حديثِ اللهِ تعالى عن بيتِه الحرام: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) (من 37 إبراهيم).
قارن ذلك بمواطنِ ورود كلمة “محرَّم” في القرآنِ العظيم:
1- (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) (من 85 البقرة).
2- (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) (من 26 المائدة).
3- ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ( (من 145 الأعراف).
وهنا أيضاً يكشفُ لنا تدبُّرُ السياقِ القرآني أنه من غيرِ الجائزِ توصيفُ غيرِ بيت الله بوصف “المُحرم”، وذلك على الضدِّ من كلمةِ “مُحرم” التي تبيِّنُ لنا سياقاتُ ورودِها في القرآنِ الكريم أنَّ بالإمكانِ أن توصفَ بها كلماتٌ غيرُ تلك التي اشتملت عليها هذه السياقات.
