
إنّ في تقلب الوجوه في السماء سرًّا عميقًا من أسرار التوحيد، لا يُدركه من يُحجِّر الوحي في قوالب تفسيرية جامدة. ولعلّ التأمل في مشهدين قرآنيين عظيمين — أحدهما للنبي إبراهيم عليه السلام، والآخر للنبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم — يكشف عن وحدة باطنية بين لحظة تأمل كونيّة ولحظة استبصار قبليٍّ روحي.
النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم…. تقلب الوجه طلبًا للقبلة المرضية. في الآية الكريمة:
“قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ” [البقرة: 144]، نلحظ صورة لنبيٍّ يتأمل السماء لا رجاءً في ظاهرة فلكية، بل بحثًا عن جواب وحيٍ منتظر، جوابٍ لسؤالٍ شاغلٍ: إلى أين أتوجه بصلاتي في الأرض لأكون على الصراط الكامل؟ فالتوجه إلى بيت المقدس لم يطمئن له قلب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لا لأنه منكر، بل لأنه لم يكتمل به التحقق النبوي الخاص برسالة الإسلام الخاتمة.
إنه سؤال الاتجاه لا بمعناه المكاني، بل بمعناه الرمزي الروحي: ما هو الموضع الذي يعكس مرآة التوحيد الذي فُطر عليه هذا الدين؟
وجاء الجواب وحيًا حاسمًا: “فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ”.
النبي إبراهيم عليه السلام…. تقلب البصر لاكتشاف الهوية الإلهية
أما النبي إبراهيم عليه السلام، فالمشهد القرآني الذي صوّره على لسانه، غالبًا ما أُسيء تفسيره على أنه رحلة بحث عن إله يُعبد، كأن النبي إبراهيم لم يكن يعرف أن للكون ربًّا.
لكن هذا التفسير يصطدم مباشرة بآيات قرآنية صريحة تفيد بأن قوم النبي إبراهيم كانوا يؤمنون بالله، لكنهم أشركوا به مخلوقاتٍ أخرى، فعبدوه وعبدوا غيره. يقول تعالى على لسانه:
“قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿75﴾ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿76﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ”
[الشعراء: 75-77].
النبي إبراهيم لم يكن يبحث عن وجود الله، بل كان يتأمل في هوية هذا الإله:
هل الله هو هذا الكوكب الساطع الذي يخترق ظلمة الليل؟ لكنه يأفل…
فهل هو القمر؟ لكنه أصغر من الشمس…
فهل الشمس؟ لكنها تغيب…
إذن، الله ليس في شيءٍ مما يُرى.
بهذا الفهم، نُعيد قراءة الآيات:
“فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا…”
[الأنعام: 76]،
لا كبحث عن إله موجود، بل كمحاولة لتحديد صورة هذا الإله الذي يعرف أنه موجود أصلاً، لكنه يتنزه عن الصورة والمحدودية والمادية. ولذلك يعلن في النهاية:
“إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ”
[الأنعام: 79]،
أي: وجّهتُ توحيدي وتفكيري وعبادتي إلى الذي لا صورة له ولا هيئة، والذي لا يأفل.
مقارنة بين الهدايتين…. من التحيُّر إلى اليقين
النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان يبحث عن القبلة الصحيحة، لا لأنه لا يعرف الله، بل لأنه يريد أن يكون توجّهه التعبدي مطابقًا لما يرتضيه الله له؛ يريد أن يُستكملَ في الأرض مركز التوحيد الذي بدأه إبراهيم عليه السلام.
والنبي إبراهيم عليه السلام لم يكن يبحث عن وجود الله، بل كان يحرّر نفسه من التصوّرات الحسيّة التي وقع فيها قومه، والتي سوّلت لهم أن لله صورةً أو مظهرًا كونيًّا.
كلاهما وجّه وجهه، لكن في بُعدين مختلفين:
النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: وجهه في الصلاة.
النبي إبراهيم عليه السلام: وجهه في التصور العقدي.
لكنّ النتيجة واحدة:
توحيد الله وتحرير العبادة من كل تمثل حسّي أو شرك صوري.
الوجه الواحد والاتجاه الواحد
إن تأملنا قول الله لنبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم:
“فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ”،
وقول إبراهيم:
“إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ”،
فإننا أمام مشهد تماهٍ دقيق بين لحظتين تاريخيتين:
واحدة تبحث عن قبلة تحقّق الرمز الأرضي للتوحيد.
وأخرى تبحث عن صورة تنفي أن يكون لله صورة.
فالوجه الذي يتجه إلى الكعبة، إنما يتجه إلى نقطة لا تقديس فيها لمادة، بل لمكانٍ اجتباه الله ليكون مرآةً لعقيدة لا مادية فيها.
وما بين تقلب وجه النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم السماء، وتقلب بصر النبي إبراهيم عليه السلام في السماء، تمتد سلسلة واحدة من الأنبياء الموحدين، الذين ما عرفوا ربهم عن طريق الشكل، بل عن طريق النفي: “لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ”.
