
لطالما اقترنت ممارسةُ الرياضات التنافسية بما اصطُلِحَ على تسميتِه بـ “الروحِ الرياضية”، والتي بالإمكانِ تعريفُها بأنها ذلك النمطُ من السلوكِ الإنساني الذي يُعلي من شأنِ الممارسةِ الرياضية ويضعُها فوق أيِّ اعتبارٍ من تلك الاعتباراتِ التي عادةً ما تُثيرُ حفيظةَ السوادِ الأعظمِ من البشر، حين لا تجري الأمورُ بما تشتهي سَفَنُ أنفسِهم التي جُبِلت على ألا يعلوَ صوتٌ فوق صوتِ زعيقِها وصراخِها وهي تطالبُ بأن يكونَ الفوزُ من نصيبِها استحقَّت ذلك أم لم تستحق.
والروحُ الرياضيةُ، بهذا التعريفِ المفصَّل، لا يبدو أنَّ بمقدورِ الكلِّ أن يخالفوا عن أمرِ أنفسِهم ليتحلُّوا بها أما وأنها تدعوهم إلى ما يخالفُ إرادةَ النفسِ البشرية. ولذلك فإنَّ الرياضاتِ التنافسية هي أكثرُ أنواعِ الممارسةِ الرياضية قدرةً على استخراجِ ما هو كامنٌ في نفسِ الإنسان، كائناً ما كان عرقُه أو جنسُه أو دينُه أو مذهبُه أو ثقافتُه أو طبقتُه الاجتماعية، من عدوانيةٍ مفرطة ليس بالإمكانِ تتبعُ تجلياتِها التي لا تني تزدادُ كماً وتتنوعُ كيفاً كلَّ يوم. وبذلك يمثِّلُ العنفُ الذي يرافقُ الممارسةَ الرياضية التنافسية، إذا ما تراخت قبضةُ يدِ القانونِ المنظِّمِ لتفاصيلِها والضامنِ لحُسنِ انضباطِ جمهورِها، مظهراً آخرَ من مظاهرِ العدوانيةِ المفرطة التي هي بدورِها واحدة من تجلياتِ التركيبةِ فائقةِ التعقيد التي يتميزُ بها الإنسان. وإلا فكيف نعلِّلُ لكلِّ هذا العنفِ الجنوني الذي يُظهِرُه أحياناً الجمهورُ المتابعُ للرياضاتِ التنافسية؟ وهل ننسى كم من الأرواحِ أُزهِقت في ملاعبِ كرةِ القدم ومحيطِها جراء خلافٍ بين متابعين لم تتمكَّن “الروحُ الرياضية” من ضبطِ إيقاعِ عدوانيتِهم المفرطة؟ وهل نسينا أنَّ حرباً نشأت بين دولتين في أمريكا الجنوبية بسببٍ من نتائجِ كرةِ القدم؟
ولكن ماذا بشأنِ العنفِ غيرِ المبرر الذي يمارسُه بعضُ الرياضيين، والرياضيات، خارجَ سوحِ التنافسِ الرياضي؟ ألم تعمد إحدى راقصات الباليه على الجليد إلى تكليفِ أحدِهم بـ “تحييد” منافستِها الوحيدة؟ وغيرُ ذلك كثير. ويبلغُ المشهدُ ذروتَه حين نستذكرُ ما قامت به يومَ أمس العداءةُ الأمريكية ريتشاردسون، الفائزة في سباقِ المائة متر، من اعتداءٍ سافر على صديقِها مما أدى إلى إلقاءِ القبضِ عليها!
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ “الروحَ الرياضية”، في كثيرٍ من الأحيان، هي مجرد وصف لِما ينبغي أن يتخلَّقَ به الرياضي الممارِسُ للرياضاتِ التنافسية، أو المتابعون لها، وأنَّ ما جُبِلَ عليه الإنسانُ من طبعٍ عدواني فائقِ التعقيد ليس هناك من سبيلٍ لجعلِه ينصاع لما تريدُه أن يكونَ عليه هذه الروح الرياضية، إلا وقبضةُ يدِ القانون تلوح أمام ناظريه.
