
تقدمُ لنا رؤيا الملِك في سورةِ يوسف، وما أعقبَها من أحداث، كما يقصُّها علينا القرآنُ العظيم، تصوراً لما كان عليه التعاملُ المعرفي مع ما يراه الإنسانُ حين ينام. فعندما سألَ الملكُ ملأَه عن مغزى ومعنى ما رآه في منامِه بقولِه: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (من 43 يوسف)، جاءه الردُّ على لسانِهم: (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ( (44 يوسف)؛ فالملكُ سألَ ملأَه أن يُفتوه في رؤياه. وهنا تتبيَّنُ لنا واحدةٌ من المقارباتِ التعريفية للأحلام في ذلك الزمان، والتي بالإمكانِ أن نُسميَها “فتوى الرؤيا”، أي معناها ومغزاها وفحوى الرسالةِ التي هي ماهيَّتُها ومؤداها. وتتجلى لنا مقاربةٌ أخرى في إجابةِ ملأ الملِك الذين وصفوا رؤياه بأنها “أضغاثُ أحلام”. كما ويتبيَّنُ لنا توصيفٌ آخر لتفسيرِ الرؤى هو ما وردَ على لسانِهم فيها بأنه “تأويلُ الأحلام”.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ القرآنَ العظيم قد نقلَنا إلى الزمانِ الذي شهدَ حدوثَ تلك الوقائعِ التي كان من بينِها ما يكفلُ لنا أن ندركَ حقيقةً مؤداها أنَّ التعاملَ المعرفي للناسِ مع الأحلام في هذا الزمان لا يختلفُ كثيراً عنه في ذلك الزمان. فنحن مازلنا اليوم نقولُ في الأحلامِ حيناً إنها أضغاثٌ فحسب، أي أحداثٌ يحسبُ النائمُ أنها ذاتُ معنى، وهي في حقيقتِها حزمةٌ صورية لا رابطَ بينها.
وكثيرٌ من الناسِ يظنون أنَّ ما يرونه في أحلامِهم هو رؤى لابد وأن تكونَ محملةً بمعانٍ ودلالات يحتاجُ الأمرُ معها إلى مَن بمقدورِه أن يُميطَ عنها لثامَها ويُجلِّي بالتالي حقيقتَها، حتى أنَّ الأمرَ قد بلغَ بكثيرٍ من الناسِ أن يعهدوا بأحلامِهم إلى مَن يحسبون أنهم الأجدرُ بأن يتولوا أمرَ تفسيرِها، كيف لا وهُم العلماءُ الذين انتهجوا منهجَ العِلمِ في التعاملِ مع الأشياء. فالإنسانُ يبقى هو الإنسان المشغولُ بمعرفةِ ما تخبِّئُه له الأقدارُ في رؤاه وأحلامِه، وفي هذا وذاك مما ليس باليسيرِ تقصِّيه وإحصاؤه من السياقاتِ التي يكمنُ في بواطنِها ما يُعينُه على تبيُّنِ ما تريده هذه الأقدار أن يحيطَ به.
