هل لكلمةِ “أمين” أكثرُ من معنى في القرآنِ العظيم؟

من خصائصِ لسانِ القرآنِ العربي المبين أنَّ الكلمةَ القرآنيةَ يتحدَّدُ معناها تبعاً للسياقِ الذي ترِدُ فيه. ولنأخذ مثالاً على ذلك الكلمةَ القرآنيةَ “أمين”. فهذه الكلمةُ ترِدُ في القرآنِ بمعنَيَين اثنين:
المعنى الأول هو “المؤتمَنُ على الشيء والمتكفلُ بإيصالِه إلى وجهتِه كما سُلِّمَ إليه”. فالرسولُ المبلَّغُ من اللهِ تعالى بإيصالِ رسالتِه إلى الناس أمينٌ على ما اؤتُمِن عليه: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) (106- 107 الشعراء).
والرسولُ بعدُ ناصحٌ لأمتِه بما علِمَ من الله ما سيؤولُ إليه أمرُهم إن هم خالفوا عن أمرِه: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (68 الأعراف).
وجبريلُ هو “الروحُ الأمين” الذي أؤتُمِنَ على ما حمَّلَه اللهُ تعالى إياه من وحي قرآني: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ( (192- 194 الشعراء). وبهذا المعنى نقرأُ قولَ اللهِ تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (19- 21 التكوير).
وعفريتُ الجنِّ أنبأ النبي سليمان أن بمقدورِه أن يجيئه بعرشِ ملكةِ سبأ، وأنه أمينٌ عليه طوال الرحلةِ من اليمن إلى فلسطين: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (39 النمل).
أما المعنى الثاني لكلمةِ “أمين”، فهو “الآمِنُ الذي لا يخشى أن يصيبَه شيء أو يطالَه سوء أو أن يصلَ أعداؤه إليه”. ولذلك قالَ ملكُ مصر للنبي يوسف: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) (من 54 يوسف). فالمكين هنا هو مَن أُجيزَ بالتصرف كما يشاء فيما عُهِدَ به إليه، و”الأمينُ” هو  الآمنُ الذي لن يستطيعَ واشٍ أو حاسدٌ أو حاقدٌ أن يؤذِيَه بما ينقلُ إلى الملكِ من أنباءٍ عنه مفتراة. فالنبيُّ يوسف أصبح بهذا التمكينِ أميناً، أي آمناً فلا قدرةَ لمن أرادَ به سوءاً أن يصلَ إليه.
وبهذا المعنى وردت كلمةُ “أمين” في سياقِ وصفِ ما سيكونُ عليه حالُ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ في الجنةِ يوم القيامة: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) (51 الدخان). فالمقامُ الذي سيُنعِمُ اللهُ تعالى به على المتقين يوم القيامة “أمينٌ”، إذ أنه سيكفلُ لهم أن يكونوا في مأمنٍ من النارِ التي حُشِرَ إليها الكفارُ والمنافقون.
وبهذا المعنى أيضاً وردت كلمةُ “الأمين” في قولِ اللهِ تعالى: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (3 التين)، أي “البلد الآمن” مكة التي حرَّمَها اللهُ تعالى إذ جعلَ فيها بيتَه المحرَّم

أضف تعليق