
ابتُلِيَ الإنسانُ، كائناً ما كان عِرقُه أو جنسُه أو تديُّنُه أو مستواه الاجتماعي، بتضرُّرٍ خَلقي لولاه ما أصبح على ما هو عليه كائناً ثائراً على الطبيعة وخارجاً على قوانينِها ومتمرداً على الحدودِ التي التزمت الكائناتُ البايولوجيةُ جميعُها بما حتمته عليها من وجوبِ التقيُّدِ بمحدِّداتِها. فليس العقلُ هو ما أخرجَ الإنسانَ على الطبيعةِ ودعاه إلى التمرُّدِ عليها وأغراه بألا يكفَّ عن الثورةِ على قوانينِها ومحدِّداتِها. فالعقلُ لا يمتلكُ ما تحتاجُه كلُّ هذه الخروقاتِ من إرادةٍ متمردة. فكلُّ ما بإمكانِ العقلِ أن يُعينَ الإنسانَ عليه بهذا الخصوص هو لا أكثر من أن يوفرَ له ما يحتاجُه من مبرراتٍ ليسوِّغَ بها لتمرُّدِه هذا على الطبيعة. فما الذي جعلَ الإنسانَ عاجزاً عن الالتزامِ بما يلتزمُ به الحيوانُ، سواءٌ في علاقتِه مع نظرائه من الحيوانات أو في علاقتِه مع الطبيعة ذاتِها، إن لم يكن عقلُه؟
مرةً أخرى نعودُ من حيث ابتدأنا؛ فلابد للإنسانِ من إرادةٍ تدفعُ به صوب التمرُّدِ على الطبيعةِ والخروجِ على قوانينِها والحيودِ عن مخططِها وبرنامجِها. وهذا ما كفلَه للإنسانِ تضرُّرُه الخَلقي آنفُ الذكر. فإذا كان العقلُ يمثلُ جانباً يسيراً من دماغِ الإنسان، فإنَّ ما تضرَّرَ في الإنسانِ، خِلقةً وجِبلة، لا يمكن أن يكونَ في مكانٍ آخر داخلَ الإنسانِ غير دماغِه. فهو تضررٌ دماغيٌّ إذاً. وهناك من الأدلةِ والبراهين على أنَّ هذا التضررَ الدماغي، الخَلقي وجوباً، حقيقةٌ لا مراء فيها أما وأنَّ العقلَ البشري لا يمتلكُ من الإرادةِ الذاتية ما هو كفيلٌ بجعلِ الإنسانِ كائناً متمرداً خارجاً على الطبيعةِ وقوانينِها.
ولكن، ما الذي تسبَّبَ في هذا التضرُّرِ الدماغي؟ فإذا كان العِلمُ لا يمتلكُ ما بمقدورِه أن يؤكدَ لنا وجودَ هكذا تضرُّر، فكيف نريدُه أن يعللَ لنا هذا الوجود؟
هنا لابد لنا وأن نلتجأَ إلى السرديةِ الدينية، والقرآنيةِ تحديداً، طالما كان بوسعِها أن تخبرَنا شيئاً عن أصلِ هذا التضررِ الدماغي البشري. فآدمُ وزوجُه أكلا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها، وتعينَ عليهما جراءَ ذلك أن يعانيا معاناةً لو أننا تدبرنا تفاصيلَها كما بيَّنَها لنا القرآن، لما وجدنا كبيرَ اختلافٍ بين هذه التفاصيل وبين ما بيَّنه لنا القرآنُ بشانِها. ولقد سمى القرآنُ هذا التضررَ الدماغي البشري “النفس”. كما وأوضحَ لنا أن بني آدم لا تمايزَ بينهم فيما تعيَّنَ على كلِّ واحدٍ منهم أن يحظى به من تأثيرِ هذه النفس. فكلُّ بني آدمَ قد ولدوا بذاتِ التضررِ الدماغي كماً وكيفاً. فلا تمايزَ إذاً بين بَني آدم ما تعلَّقَ الأمرُ بهذا الذي تعيَّنَ على كلِّ واحدٍ منهم أن يكابدَه ويعانيه جراء هذا التضررِ الدماغي الخَلقي. ودليلُ ذلك هو أنَّ البشرَ لا تمايزَ بينهم إلا فيما يتعدى “خطَّ الشروع”؛ فالإنسانُ منا لا يتمايزُ عن أخيه الإنسان إلا بسعيِه وعملِه: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (39 النجم).
