
لا تكشفُ الآيةُ 72 من سورة هود:
“قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا” عن مشهدٍ عائلي مألوف، ولا عن مفارقة اجتماعية، بل تسجل لحظة انفجار فيزيائي في المنظومة المغلقة التي اعتاد الإنسان أن يفسر بها طبيعة الأشياء وحدود الإمكان. امرأة نبي، عجوز، يتآكل جسدها بفعل الزمن، وزوجها شيخ بلغ من العمر عتيًّا، يجدان نفسيهما في قلب معجزة: الحمل بطفل! لا تفسير علميًا لهذه الظاهرة، ولا خيطًا تجريبيًا واحدًا يمكن للعلم الإمساك به ليفكك ما جرى.
الانكسار المفاجئ لقوانين البيولوجيا
تُجسّد الآية لحظة تحطُّم القوانين الطبيعية لا بفعل الصدفة أو الطفرات الجينية، بل بتدخّل قاطع من الإرادة الإلهية. فمعيار السنّ عند المرأة والرجل، والمحددات الفسيولوجية المرتبطة بالخصوبة، جميعها تسقط دفعة واحدة. ويُعاد تشكيل ممكنات الجسد خارج إطار ما هو ممكن بيولوجيًا. هذا المشهد يخرق مبدأ “الحتمية البيولوجية” الذي يسيطر على الخطاب العلمي منذ الثورة الداروينية، ويوسع من مدى النظر في فهم الحياة ذاتها.
التدخل الإلهي اللحظي… قوانين موازية تسود
إذا كانت المعادلة التي تحكم الكائن الحي هي التفاعل بين الشيفرة الوراثية (الجينات) والنظام البيئي، فإن ما جرى لامرأة النبي إبراهيم وزوجها عليه السلام يشير إلى تَفَوُّق منظومة ثالثة لا تتقيد بالشرط الجيني أو البيئي، بل تخضع لإرادة مطلقة. وهذه المنظومة هي التي تُستَحضَر بقول الله: “كن فيكون”.
إن هذه العبارة – التي تكررت في القرآن الكريم عند لحظات مفصلية من الخلق – ليست مجرد دلالة بلاغية على السرعة، بل هي تصريح بوجود نمط آخر من القانون الكوني، قانون تتوقف فيه علّة الحدوث على الإرادة الإلهية وحدها، وليس على السببية المادية أو التتابع الزمني. فـ”كن” لا تعني مجرد إصدار أمر، بل تعني إعادة تشكيل شبكة القوانين الكونية للحظة بعينها، لتُنتج ما لا يمكن للقانون الطبيعي أن يُنتجه.
إعجاز الحمل ضمن شبكة إعجازات “الخلق الخاص”
يأتي هذا الحدث في سلسلة من الظواهر التي يصفها القرآن بأنها نتاج مباشر لـ”كن فيكون”: خلق عيسى من غير أب، ولادة يحيى من أبوين عجوزين، خلق آدم، وغيرها. هذه الحالات ليست نوافذ على عالم الخوارق، بل مؤشرات على وجود شبكة قوانين موازية لا يعمل بها إلا حين يشاء الله.
هذه القوانين لا تنفي القوانين الطبيعية، لكنها تُعلّق عملها في اللحظة التي يُراد فيها ظهور حدث يخترق المعهود ليوقظ في الإنسان وعيه بوجود قدرة أعلى لا تخضع للقياس.
نقد محدودية التصور العلمي للكون
ما تكشفه هذه الآية، في ضوء مفهوم “كن فيكون”، هو محدودية الإطار الذي يعمل فيه العلم الطبيعي. فالعلم، من حيث هو رصدٌ للممكنات القابلة للتكرار والقياس، يعجز بطبيعته عن إدراك ما يتجاوز النظام القابل للرصد. لذلك فإن مطالبة العلم بأن يُنكر المعجزة لأنها لا تنسجم مع قوانينه، تشبه مطالبة آلة حاسبة بأن تفهم الشعر!
إن الكون الذي نرصده بقوانين الفيزياء هو كونٌ خاضع لشروط الرؤية الإنسانية المحدودة. أما الكون الكامل – أو الأكوان إن صح التعبير – فهو في عمقه ميدانٌ لتمفصل قوانين متعددة، منها ما نعرفه، ومنها ما لم يُكتب له أن يُمسك به مختبر أو عقل.
“العجز” العلمي هو اعتراف بحدود لا ينبغي إنكار ما وراءها
ليست الآية (هود: 72) مجرد توثيق لمشهد إعجازي، بل هي تمهيد لنقد فلسفي عميق لكل ادعاء علمي يريد أن يحتكر تفسير الوجود. فالإعجاز لا يهدف إلى نفي العقل أو تعطيله، بل إلى تنبيهه إلى أن للعقل حدوده، وأن للعالم طبقات لا تُدرَك جميعها بالتجربة والتكرار.
إن لحظة ولادة إسحاق هي لحظة انهيار قوانين وقيام قوانين أخرى، هي لحظة عبور من الممكن الطبيعي إلى الممكن الإلهي، وهي لحظة تستدعي من الإنسان ألا يحبس فهمه للكون داخل قفص التجريب، لأن هناك دومًا ما هو أوسع من العلم، وأعمق من الطبيعة، وأقرب إلى جوهر الإرادة الإلهية
