
أرسلَ اللهُ تعالى أنبياءه المُرسَلين برسالاتِه بلسانٍ مبين يسَّرَه للذكرِ وجعل بمقدورِ الناسِ أن يفقهوه وأن يتدبَّروه كلٌّ حسب لسانِه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (4 إبراهيم).
فكيف نفهمُ إذاً ما قاله قومُ سيدِنا شعيب من أنهم لا يفقهون كثيراً مما يقوله لهم بشأنِ ما أرسله اللهُ به إليهم: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) (من 91 هود)؟ فالبعضُ ممن في قلوبِهم مرضٌ، فزادهم اللهُ مرضاً، يزعمون بأنَّ هذا دليلٌ على أن في القرآنِ اختلافاً! ولو أنَّهم تدبروا القرآنَ، كما تحداهم اللهُ تعالى أن يفعلوا، لتبيَّنَ لهم أن ما جاء على لسانِ قومِ سيدِنا شعيب لم يكن أولَ ردِّ فعلٍ لهم على رسالةِ الله التي أبلغهم بها. فهم ما انتهى بهم الحالُ حتى أصبحوا لا يفقهون كثيراً مما يقوله سيدُنا شعيب إلا من بعدِ أن لبثَ فيهم عُمُراً يدعوهم إلى اللهِ تعالى، حتى جعل اللهُ تعالى في آذانِهم وقراً وضربَ بينهم وبين سيدِنا شعيب حجاباً حتى لا يعودَ بمقدورِهم أن يفقهوا ما يقول:
1- (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) (من 46 الإسراء).
2- (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (23 الجاثية).
3- (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (6- 7 البقرة).
فقومُ سيدِنا شعيب إذاً لم يعد بمقدورِهم أن يفقهوا كثيراً مما يقولُه عليه السلام لأنَّ اللهَ تعالى جعل ذلك مستحيلاً، بتدخلِه المباشر، أما وأنهم قد أعرضوا عن رسولِه ورسالتِه التي أرسله بها إليهم من بعدِ أن لبثَ فيهم عُمُراً. ولعل خيرَ مثالٍ على ذلك قصةُ سيدِنا نوح الذي لبث في قومِه ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله، فما كان منهم إلا أن أعرضوا وبالغوا في إعراضِهم، وبما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمة: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (5- 7 نوح).
