عصا موسى ومِنسَأةُ سُليمان

سألَ اللهُ تعالى كليمَه النبي موسى عما كان يحملُه بيمينِه: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى( (17 طه). فأجابَ سيدُنا موسى: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (من 18 طه). يتبيَّنُ لنا بتدبُّر هذه الآيةِ الكريمة أنَّ عصا النبي موسى لم تكن إلا عوداً من الخشب، أو غصناً من شجرة، كأيِّ عصاً أخرى يستعينُ بها الرعاة. فهي لم تكن مزخرفةً مزركشةً كتلك التي يتخذُها أصحابُ الشأنِ في إشارةٍ تدلُّ على علوِّ المكانةِ ورفعةِ المنصبِ وسموِّ القدر.
فعصا النبي موسى إذاً لم تكن كمنسأةِ النبي سليمان التي كانت لازمةً من لوازمِ المُلك والسلطان. وبينما كان لعصا الرعاة، التي كان يحملُها النبي موسى، شأنٌ عظيم إذ أظهرَ اللهُ تعالى بها من عجيبِ قدرتِه ما حفظه لنا قرآنُه العظيم في مواطنَ منه كثيرة:
1- (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (19- 21 طه).
2- (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) (115- 117 الأعراف).
3- (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (63 الشعراء).
4- (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) (من 60 البقرة).
وهنا ينبغي التشديدُ على حقيقةٍ مفادها أنَّ عصا النبي موسى لم تكن إلا عصاً كأيِّ عصاةٍ أخرى، وأنَّ ما ظهرَ من عجائب وخوارق بتواجدِها لم يكن لها أيُّ دورٍ فيه. فاللهُ تعالى هو الذي أحدثَ بها ما يشاء بقولِه لما أراده أن يحدثَ بتواجدِها “كن فيكون”.
أما منسأةُ النبي سليمان، فلم يرِد في القرآنِ بشأنِها ما يُستدَلُّ به على أنَّ شيئاً خارقاً قد حدثَ بتواجدِها. فهي لم تكن إلا مظهراً من مظاهرِ “المشهدِ الملَكي” الذي كان شيئاً لابد منه حتى يستقيمَ الأمرُ في نظرِ الرعية. فأيُّ نقصٍ في تفاصيلِ هذا المشهد كان لتطالَه يدُ التأويلِ، ولكان سابقةً في العُرفِ الملَكي. غير أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليذرَ منسأةَ النبي سليمان تغادرُ التاريخَ من دون أن تتركَ أثراً يذكِّرُ بها كتفصيلٍ ذي دلالةٍ مكثفة أما وأنها كانت مفردةً أساسيةً في صناعةِ المشهدِ الختامي للنبي سليمان في هذه الحياةِ الدنيا: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (14 سورة سبأ).
والمفارقةُ هنا تكمنُ في أنَّه إذا كانت عصا النبي موسى قد حفظَ لها القرآنُ حضوراً مكثفاً، محملاً بالمعاني والدلالات، بدلالةٍ مما ارتبط بها من معجزاتٍ وخوارقَ عادات، فإنَّ اللهَ تعالى لم يدَع منسأةَ النبي سليمان من دون أن تُذكرَ في سياقٍ عجائبي- إعجازي هو الآخر. ويتمثلُ هذا السياق بمعجزةِ بقاءِ جسمِ النبي سليمان على حالِه أشهراً عدة من دون أن يطالَه ما يطالُ الأجسامَ الحية حين تفارقُها الحياة. إذ لم يكن لأحدٍ أن يعلمَ بأن الحياةَ قد فارقت جسمَ النبي سليمان لولا دابةُ الأرضِ تلك التي أخذت تأكلُ منسأتَه حتى لم يعد بمقدورِها أن تحملَه.

أضف تعليق