
في الذكرى الثمانين لإصدارِ الرئيس الأمريكي هاري ترومان أمرَه القاضي بإلقاءِ قنبلةٍ ذرية أخرى على اليابان، وعلى مدينةِ ناغازاكي تحديداً، في مثلِ هذا اليوم (التاسع من أغسطس) من عام 1945، لابد لنا من أن نستحضرَ، ما استطعنا، الأجواءَ التي كانت سائدةً آنذاك، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بالأسبابِ الموجبةِ التي حدت بالرئيسِ ترومان لاتخاذِ هذا القرارِ الذي سبقَه قرارٌ آخر بتدميرِ مدينةِ هيروشيما اليابانية بأولِ قنبلةٍ ذريةٍ في التاريخ. فإذا عزَّ علينا أن نتبيَّنَ ما يكفي من الأسبابِ لتُعينَنا على تفهِّم المشروعيةِ الأخلاقية لقرارِ ترومان بتدميرِ هيروشيما، فإننا لن نجدَ أبداً أيَّ سببٍ يكفي ليسوِّغَ لإلقاءِ قنبلةٍ ذريةٍ مرةً أخرى على اليابان! فالمرءُ ليعجب لقلبِ هذا الرجل الذي رأى بأُّم عينِه الأفلامَ والصور التي التقطتها كاميراتُ سلاحِ الجوِّ الأمريكي، والتي وثَّقت للدمارِ الهائل الذي حاقَ بهيروشيما، وظلَّ على ذاتِ الموقف غيرِ المبالي بعشراتِ الآلاف من القتلى المدنيين من نساءٍ وأطفال، وإلى الحدِّ الذي جعلَه لا يتردد لحظةً واحدة قبل أن يتخذَ قرارَه بتدميرِ ناغازاكي!
وإذا صحَّ ما زعمَه الرئيسُ ترومان في الخطابِ الذي أعلن فيه للأمة خبرَ تدميرِ هيروشيما، من أنَّ بمقدورِ أمريكا الاستمرارِ في إلقاء المزيدِ والمزيدِ من هذه القنابل حتى تُرغِمَ اليابان على إعلانِ استسلامِها غيرِ المشروط، فإنَّنا لن نبالغَ إذا ما وصفنا الرجلَ بأنه المثالُ النموذجي للإنسانِ حين تُطغيه السلطة وتتملَّكُه شهوةُ الانتقام، وذلك من دون أن يرفَّ له جفنٌ وهو يرى الآثارَ الكارثيةَ التي نجمت عن قراراتِه. ولذلك يحقُّ لنا، والحالُ هذه، أن نطلقَ على كلِّ مَن كان هذا هو حالَه في تعاملِه مع مَن لا حولَ لهم ولا قوة أنه يعاني من متلازمةٍ لابأس من أن نسمِّيها “متلازمةَ ترومان”.
