من الاستشراق الإمبريالي إلى الاستشراق الأكاديمي… دراسة مقارنة بين المدارس الفرنسية والإنجليزية والروسية والألمانية

يُفترض بالبحث العلمي أن يكون انحيازه المطلق للحقيقة، بحيث يتحرر الباحث من أي ولاء ديني أو قومي أو ثقافي أو عرقي. غير أن التجربة التاريخية للاستشراق تكشف أن هذا المبدأ ظلّ، في معظم الأحيان، أفقًا نظريًا أكثر منه ممارسة فعلية، خاصة عند النظر في المدرسة الفرنسية والإنجليزية في ذروة المدّ الاستعماري.
على النقيض، برزت المدرسة الروسية والألمانية في مراحلها الكلاسيكية بميل أوضح نحو التجرّد الأكاديمي، وهو ما ارتبط بغياب المشروع الاستعماري المباشر تجاه العالم العربي والإسلامي، ما أتاح للمستشرقين في هذين البلدين مساحة أوسع لمقاربة الشرق باعتباره موضوعًا للمعرفة، لا ميدانًا للهيمنة.

المدرسة الفرنسية – الاستشراق كذراع ثقافية للاستعمار

ارتبط الاستشراق الفرنسي ارتباطًا عضويًا بالمشروع الاستعماري، خصوصًا بعد احتلال الجزائر (1830) وتحولها إلى مختبر مفتوح للدراسة والتجربة.
من أبرز أعلام هذه المدرسة إرنست رينان (Ernest Renan)، الذي اشتهر بمحاضرته الشهيرة عام 1883 في السوربون عن “الإسلام والعلم”، حيث زعم أن “العقلية السامية” عاجزة عن الإبداع الفلسفي والعلمي، في مقابل “العقلية الآرية”. هذا الطرح لم يكن استنتاجًا أكاديميًا بريئًا، بل صياغة معرفية تُسند رؤية استعمارية ترى في الأوروبي حامل الحضارة، وفي الشرقي المتلقي القاصر.
كما تميزت المدرسة الفرنسية بأسماء مثل سيلفستر دو ساسي (Silvestre de Sacy)، الذي أسس الدراسات العربية في فرنسا، ولكن ضمن إطار يربط المعرفة بخدمة الإدارة الاستعمارية.
الخطاب الفرنسي الاستشراقي كان مشبعًا بعبارات الاستعلاء الحضاري، ويستخدم لغة الإحسان المزعوم: “إننا نمد يدنا لهؤلاء الشعوب لإنقاذهم من تخلفهم”. هذا النمط من التمثيل المعرفي يختزل الشرق في صورة جامدة، تمنح الشرعية لاستمرارية السيطرة.

المدرسة الإنجليزية – براغماتية السيطرة عبر المعرفة

لم يكن الاستشراق الإنجليزي أقل انغماسًا في المشروع الإمبريالي، لكن دوافعه كانت أكثر براغماتية. بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، المعرفة الدقيقة بثقافات الشرق ولغاته كانت ضرورة لإدارة المستعمرات، من الهند إلى مصر.
مثال بارز هو إدوارد وليم لين (Edward William Lane)، صاحب “معجم اللغة العربية” و”عادات المصريين المحدثين”، والذي قدّم وصفًا دقيقًا للحياة اليومية في مصر. ورغم القيمة التوثيقية، فإن خطابه ظل يؤطر المصريين ضمن إطار “الشعب الساكن في الماضي”، وهي صورة تُسهل التنبؤ بسلوكهم والتحكم بهم.
شخصية أخرى هي السير وليم موير (Sir William Muir)، الذي كتب عن السيرة النبوية بروح جدلية مشبعة بالتحيز الديني، ليخدم خطابًا تبشيريًا موازٍ للمشروع الاستعماري.
كان الاستشراق الإنجليزي أكثر ارتباطًا بـ”الملف الإداري” للاستعمار، حيث تُختزل المعرفة في وظيفة: كيف نحكم هذه الشعوب بأقل تكلفة وأعلى فعالية.

المدرسة الألمانية – البحث النصي والتاريخي المحض

في المقابل، لم تعرف ألمانيا في القرن التاسع عشر توسعًا استعماريًا مباشرًا في العالم الإسلامي، ما سمح لمستشرقيها بالانخراط في دراسة الشرق بعيدًا عن ضغط الأجندة السياسية.
من أبرز الأسماء تيودور نولدكه (Theodor Nöldeke)، صاحب “تاريخ القرآن” (Geschichte des Qorans)، الذي درس النص القرآني وفق منهجية نقدية تاريخية، دون أن يحوّل بحثه إلى أداة استعمارية أو تبشيرية مباشرة.
كذلك إدوارد زاخاو (Eduard Sachau)، الذي انكب على دراسة النصوص السريانية والعربية، واهتم بجمع المخطوطات وتحقيقها بدقة علمية عالية.
المدرسة الألمانية ركزت على فقه اللغة، والتحقيق النصي، والبحث التاريخي، وأنتجت إرثًا علميًا لا يزال مرجعًا أساسيًا، حتى لو شاب بعضه تأثر بالمناخ الفكري الأوروبي العام.

المدرسة الروسية – الجغرافيا السياسية بلا استعمار مباشر

أما المدرسة الروسية فقد انطلقت من واقع جيوسياسي خاص؛ إذ كان اهتمامها بالعالم الإسلامي نابعًا من جوارها المباشر مع آسيا الوسطى والقوقاز، ومن وجود أقليات مسلمة ضمن الإمبراطورية الروسية.
المستشرق إغناطيوس كراتشكوفسكي (Ignaty Krachkovsky) يعد مثالًا على هذا النهج؛ إذ كرس حياته لدراسة التراث العربي، وكتب “بين المخطوطات العربية”، الذي عكس احترامًا حقيقيًا للنصوص ولأصحابها.
كذلك برزت أسماء مثل بارتولد (Vasily Bartold)، الذي درس تاريخ الإسلام في آسيا الوسطى بعمق وتحليل بعيد عن لغة الوصاية الحضارية.
الروس انشغلوا بفهم الإسلام كظاهرة ثقافية وتاريخية، لا كموضوع لاستغلال سياسي مباشر، وهو ما منحهم قدرًا من الحياد النسبي مقارنة بالفرنسيين والإنجليز.

تحليل الفروق البنيوية

يتضح أن الفارق بين المدرستين الفرنسية/الإنجليزية والروسية/الألمانية لا يقتصر على الأهداف، بل يمتد إلى المنهج:
الفرنسية والإنجليزية: وظيفة سياسية، خطاب استعلائي، إنتاج معرفة لتبرير السيطرة.
الألمانية والروسية: غياب المباشرة الاستعمارية، تركيز على البحث اللغوي والنصي، إنتاج معرفة تسعى للفهم قبل الحكم.
هذا لا يعني أن الألماني أو الروسي كان محايدًا تمامًا، لكنه كان أقل تورطًا في البنية الاستعمارية، وأكثر التزامًا بأدوات البحث الأكاديمي.

نحو مانيفستو استشراقي معاصر

تفرض هذه المقارنة إعادة قراءة الأعمال الكلاسيكية الصادرة عن المدرستين الفرنسية والإنجليزية، لا بوصفها مجرد نصوص علمية، بل كوثائق سياسية وثقافية أنتجت تحت شروط هيمنة. كما تدعونا إلى صياغة مانيفستو استشراقي معاصر، يقوم على المبادئ التالية:
التحرر من الأجندة السياسية: الفصل التام بين البحث العلمي وأي مشروع سلطوي أو توسعي.
المساءلة الذاتية: وعي الباحث بانحيازاته الثقافية ومراجعتها.
الاحترام المتبادل: مقاربة ثقافات الآخرين على أساس الندية لا الوصاية.
الشفافية المنهجية: إعلان الفرضيات والأهداف قبل الشروع في البحث.
الالتزام بالأثر المستقبلي: إدراك أن الأعمال العلمية اليوم ستكون موضوع حكم التاريخ غدًا.
في عالم اليوم، حيث أصبحت المعايير المزدوجة أكثر جهرًا ووقاحة، يصبح هذا المانيفستو ضرورة أخلاقية ومعرفية، حتى لا نعيد إنتاج أخطاء الماضي بأدوات جديدة وشعارات مختلفة.

أضف تعليق