
منذ أن خطا الإنسان على مسرح الوجود، بدا وكأنه الكائن الذي يصرّ على أن يخرج من نصّ الطبيعة الذي كُتب له. فالكائنات جميعها، من أصغر الحشرات إلى أضخم الثدييات، ظلت تحيا في انسجام مع قوانين الطبيعة الصارمة، لا تحيد عنها ولا تتمرّد عليها، وكأنها قد ارتضت الدور المرسوم لها في منظومة الوجود. وحده الإنسان، في لحظة ما من ماضيه السحيق، اتخذ منعطفًا غامضًا — أشبه بـ”تحويلة تطورية” (detour) — أخرجته عن المسار الطبيعي الذي واصلته بقية الكائنات، فكان ذلك التحوّل بداية شرخ عميق بينه وبين الطبيعة الأم.
لقد مثّل هذا النشوز عن النظام الطبيعي نقطة انعطاف كبرى، إذ حمل للإنسان أثقالًا لم تعرفها الكائنات الأخرى: الشقاء النفسي، القلق الوجودي، والاغتراب عن الذات وعن المحيط. لقد صار الإنسان معذَّبًا بنفْس لا ترضى بالقليل ولا تسكن لانسجام، ولعلها ما كانت لتسومه سوء العذاب لولا خروجه على ناموس الطبيعة، ومخالفته لتوازنها الداخلي. ومع هذا الخروج، فقد الإنسان غطاءه الشعري — الشعر الذي كان يومًا حاجزًا يحميه من قسوة المناخ ويؤمّن له اندماجه في بيئته — لتبدأ الطبيعة في مهاجمته بردها وحرّها، دون أي عازل طبيعي يدرأ الأذى.
وما زاد القطيعة عمقًا أن الإنسان، بعد هذا الانحراف التطوري، أطلق العنان لعدوانية مفرطة تجاه الطبيعة وكائناتها، بل وتجاه أبناء جنسه. صارت العلاقة التي كانت يومًا تناغمية، علاقة افتراس واستغلال. ولم يكن النشاط الجنسي البشري بمنأى عن هذه التحويلة؛ فقد شهد هو الآخر انفلاتًا غير مسبوق، تجاوز حدّ التوالد الطبيعي ليصبح ميدانًا للتعقيد الاجتماعي والصراع الثقافي والديني. لقد تحوّلت الفعالية الجنسية — التي كانت في عالم الحيوان عملية بيولوجية محكومة بضرورات البقاء — إلى موضوع أيديولوجي، وأداة للصراع، ومحرك لإعادة تشكيل المنظومات القيمية والمجتمعية، بما يكفل استمرار هذا “اللانظام” الذي أفرزه الانحراف عن المسار الطبيعي.
وإلى جانب ذلك، دفعت هذه التحويلة التطورية ثمنًا باهظًا على الصعيد البيولوجي: فقد تراجعت المناعة الطبيعية للإنسان، وأصبح أكثر عرضة للأمراض والأوبئة، في سلسلة من التدهورات الصحية لم يعرفها أسلافه قبل هذا الانعطاف.
هكذا، إذا أردنا أن نقرأ ما جرى للإنسان في ماضيه البعيد، فإن المسألة قد لا تكون مجرد “حلقة مفقودة” بالمعنى الدارويني التقليدي، بل ربما كانت النتيجة المنطقية لقرار — واعٍ أو غير واعٍ — بسلوك تحويلة تطورية شاذة، أخرجته من النسق التطوري المتناغم الذي بقيت الكائنات الأخرى تسير فيه حتى اليوم.
