الاستعلاء المعرفي على الحيوان… جذور فلسفية لأخطاء منهجية في فهم الإنسان

الإنسان والحيوان بين المعرفة والانحياز

منذ العصور القديمة، ساد في الفكر الفلسفي والعلمي ميلٌ إلى وضع الإنسان في موقع منفصل – بل متعالٍ – عن بقية الكائنات الحية. هذا التصور لم يكن مجرد موقف أخلاقي أو ميتافيزيقي، بل تسلل إلى منهجيات البحث العلمي نفسها، فحجب عن العلماء والفلاسفة إمكانات هائلة كان يمكن أن يوفرها إدماج الحيوان في دراسة طبيعة الإنسان ومكانته في العالم. هذا ما يمكن تسميته بـ الاستعلاء المعرفي على الحيوان، أي النزعة التي تحجب الكائنات الأخرى عن موقع الشريك في إنتاج الفهم، وتختزلها في كونها موضوعًا للملاحظة أو التجربة، لا مصدرًا للمعرفة.

روسو و”الصفحة البيضاء”… إقصاء الفطرة لصالح البيئة

أحد أبرز الأمثلة على هذا الاستعلاء يتجلى في أطروحة جان جاك روسو حول الصفحة البيضاء (tabula rasa)، التي ترى أن عقل الإنسان يولد خاليًا من أي محتوى فطري، وأن البيئة وحدها تصوغه. فالمجتمع الذي يغرس قيم الخير والجمال ينتج إنسانًا يعكسها في سلوكه، أما إذا زرع فيه القسوة والأنانية، فسوف يتحول إلى إنسان شرير وعدو للمجتمع.
لكن هذه الأطروحة – على قوتها الخطابية – تتجاهل ما أظهرته الملاحظات السلوكية حتى في زمن روسو: أن الكائنات، ومنها الإنسان، تحمل منذ الولادة أنماطًا سلوكية موروثة. يكفي النظر إلى صغار القطط أو الكلاب التي فقدت أمهاتها، ثم نراها تُظهر ردود فعل غريزية في الصيد أو الدفاع، مطابقةً لتصرفات أقرانها الذين لم يُحرَموا من الرعاية الأمومية. هذه الممارسات لم يعلّمها لها أحد، مما يدحض فكرة أن السلوك البشري أو الحيواني يبدأ من “صفر معرفي”.

دارون والانتقائية البيولوجية

أما تشارلز دارون، الذي قدّم للعالم إطارًا ثوريًا لفهم القرابة التطورية بين الإنسان والحيوان، فقد وقع – ولو جزئيًا – في فخ الانتقائية. فقد ركز على البنية التشريحية والوظائف الفسيولوجية للحيوان بوصفها أدلة على الأصل المشترك، لكنه لم يمنح الاختلافات السلوكية والثقافية بين الإنسان والحيوان القدر نفسه من التحليل. هذه الاختزالية البيولوجية حرمته من ملاحظة الفجوة النوعية التي تفصل الإنسان عن أقرب أقربائه التطوريين، وهي فجوة لا يمكن تفسيرها بالكامل بالانتقاء الطبيعي وحده.

علم السلوك الحيواني… ما كان يمكن أن يراه الفلاسفة

لو كان روسو ودارون قد تبنيا مقاربة شبيهة بما نعرفه اليوم في علم السلوك الحيواني (Ethology)، لكانا قد أدركا أن الأنماط السلوكية ليست مجرد استجابات بيئية، بل هي تفاعلات معقدة بين الموروث الجيني والظروف البيئية. تجارب كونراد لورنتس (Konrad Lorenz) على ظاهرة “البصمة السلوكية” (Imprinting) في الطيور، أو ملاحظات جين غودال (Jane Goodall) على الشمبانزي في البرية، تكشف أن الحيوان يملك أنظمة معرفية واجتماعية متطورة، بل وقابلة لنقل المعرفة بين الأجيال.

علم النفس التطوري: الإنسان في مرآة الحيوان

في المقابل، يقدم علم النفس التطوري إطارًا يسمح بفهم السلوك الإنساني كامتداد لتاريخ طويل من الضغوط الانتقائية التي شارك فيها الإنسان مع كائنات أخرى. من دون النظر إلى الحيوان كمفتاح لفهم هذه الجذور، تبقى نظرتنا للإنسان ناقصة. فالغريزة الأمومية، أو الميل إلى التعاون، أو حتى أنماط الصراع، كلها سمات يمكن تتبعها في عالم الحيوان لفهم أصولها ووظائفها.

خطورة الاستعلاء المعرفي

إن إقصاء الحيوان من النقاش الفلسفي والعلمي حول الإنسان يقود إلى تحيز معرفي مزدوج:
قصور في فهم جذور السلوك الإنساني.
تجاهل التنوع البيولوجي والمعرفي الذي يثري فهمنا للعالم.
هذه الفجوة لا تقل خطورة عن أي قصور منهجي آخر؛ فهي تبقي الإنسان في دائرة مغلقة من الأفكار التي يؤكدها لنفسه، بدل أن يختبرها في ضوء معطيات الطبيعة.

نحو رؤية أكثر شمولية

إذا أردنا فهم الإنسان حقًا، فعلينا أن نكسر حاجز الاستعلاء المعرفي على الحيوان. ليس لأن ذلك إنصاف أخلاقي فحسب، بل لأنه شرط أساسي لفهم الذات البشرية. الإنسان الذي يشارك الحيوان ماضيه التطوري، ويختلف عنه اختلافًا نوعيًا، يظل لغزًا مفتوحًا؛ ولعل بعض فصول هذا اللغز لن تُكتب إلا حين نعيد إدماج الحيوان كشريك كامل في معادلة الفهم.

أضف تعليق