
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، سادت في أوروبا نزعة استعمارية طاغية، لم تكن مجرد سياسة دول وحكومات، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا جند له عدد كبير من الأدباء والمفكرين والفلاسفة والعلماء أقلامهم وأفكارهم لتسويغ ضرورته ومشروعيته. لقد جيّش هؤلاء ترسانة من المبررات النظرية، التي جعلت الإنسان الأوروبي يعتقد أن من واجبه الأخلاقي أن يشرع في الحملات الاستعمارية، باعتبارها “مسؤولية الرجل الأبيض” تجاه الشعوب الأخرى.
وقد تفتق العقل الأوروبي عن حجة رآها كثيرون “منطقية”، تقوم على الخوف من المنافسة الدولية: ففرنسا كانت تقول “إن لم ننشئ المستعمرات في العالم الجديد وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، فإن بريطانيا ستسبقنا وتستأثر بالغنيمة كلها”. أما الحجة البريطانية فكانت لا تقل أنانية: “إن نحن لم نسبق إلى إنشاء المستعمرات، فإن فرنسا ستفعل ذلك بكل تأكيد”. وهكذا تحول سباق النفوذ إلى ذريعة لإضفاء الطابع الحتمي على التوسع الاستعماري.
ويكفينا حتى ندرك مدى تغلغل هذه النزعة في عمق الوعي الجمعي البريطاني، أن نستذكر ما قاله الشاعر الإنجليزي اللورد روديارد كيبلنغ: “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدًا”. لم يكن هذا البيت الشعري مجرد وصف ثقافي، بل كان إعلانًا عن قناعة عميقة بالفصل الأبدي بين الحضارتين، بما يبرر في نظر قائليه إخضاع “الآخر” بدعوى أنه غير قابل للمساواة أو الاندماج.
لكن إعادة قراءة التاريخ الاستعماري تفرض علينا تجاوز الضجيج الذي تصنعه التبريرات الظاهرة، كالتنافس الاقتصادي والصراعات السياسية والقتال خارج الحدود. فهذه كلها، مهما كانت حقيقية، لا تفسر وحدها حجم الفظائع التي ارتكبت في ظل الاستعمار: قتل ملايين البشر، استعباد الملايين، تدمير وإحراق وإغراق كنوز ثقافية لا تُحصى، ومسح ذاكرة شعوب بأكملها.
إن سؤال “لماذا” يظل معلقًا إذا اكتفينا بهذه المبررات السطحية. فما العلة الحقيقية إذن؟ ربما نجدها في حقيقة أعمق، وهي عجز الإنسان، حين يطغى، عن التوقف عن ممارسة العدوان على الآخر بعد أن يتذوق أول رشفة من دمه. إنها حالة من الانجراف النفسي والوجودي، يجد المرء صداها في الكلمات القرآنية التي كانت من أوائل ما سمعه أبوانا آدم وزوجه بعد عصيانهما:
{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36]
بهذا المعنى، يصبح الاستعمار، في جوهره، امتدادًا لعداوة ضاربة الجذور في الطبيعة البشرية، لا يردعها التقدم العلمي ولا يزجرها ازدهار الفلسفة، لأن جذورها أعمق من أن تقتلعها حجج العقل وحده.
