
قصة يوسف عليه السلام هي القصة الوحيدة التي فصَّل القرآن الكريم وقائعها كاملة في سورة واحدة تحمل اسمه. وهذا التفصيل لم يأتِ لمجرد السرد التاريخي، بل لغاية أعمق: أن تكون أحداثها “آيات للسائلين”، أي علامات واضحة لكل من يسأل عن سنن الله في الابتلاء، وعن حكمة تدبيره، وعن كيفيات تحوّل المحن إلى منح.
“آيات للسائلين” تعني أن في القصة دروسًا لا تُدرك إلا بطلب الفهم، وبالبحث عن الحكمة وراء الظاهر. فالسائل الحقيقي ليس من يكتفي بسماع القصة، بل من يتدبرها ليتبين أن الخطة الإلهية تمضي حتى حين تبدو الأمور في أسوأ حالاتها.
يوسف عليه السلام مرّ بسلسلة من الابتلاءات: إلقاء في الجب، بيع في السوق، مكيدة في قصر العزيز، ثم السجن ظلمًا. لكن كل محطة كانت جزءًا محسوبًا من خطة إلهية لم يكن له أن يراها كاملة إلا عند نهايتها، حين اجتمع شمل الأسرة، وارتفعت المظلمة، وتجلى وعد الله:
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 100].
هذه الخطة الإلهية تعلم السائر إلى الله كيف يحافظ على حسن الظن بربه، حتى حين تتكاثف الغيوم. وهي تُعلّمنا أيضًا أن رحمة الله قريبة حتى من أولئك الذين ارتكبوا في حقك خطأً عظيمًا، إذا هم أقروا بذنوبهم وعادوا تائبين:
(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: 91].
وإذا كان يوسف عليه السلام قد ضرب المثل في الصفح، فإن الله تعالى نفسه قدّم في غفرانه لإخوة يوسف درسًا في أن الذنوب مهما عظمت لا تغلق باب الرجوع، وأن الإقرار بالذنب هو الخطوة الأولى على طريق المغفرة.
أما عبارة “ولا تيأسوا من روح الله” [يوسف: 87] فهي ذروة الرسالة؛ إذ تكشف أن اللطف الإلهي ليس أمرًا غيبيًا بعيدًا، بل هو نفحة رحمة، وتدبير خفي، وتوقيت محسوب، يبدل الضيق إلى فرج، واليأس إلى رجاء.
وهكذا، كانت قصة يوسف وإخوته آيات للسائلين: لمن يسأل عن حكمة الله، عن معنى الصبر، عن سر المغفرة، وعن الطريق الذي يخرج به الإنسان من قاع الجب إلى عرش التمكين، دون أن يفقد يقينه أو سلام قلبه.
